Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: التعليم في الإنعاش.. حين تصبح “الحقيبة المدرسية” أثقل من طموح وطن!

بينما ننشغل بتشييد ناطحات السحاب الخرسانية، نحن نغفل حقيقة أن أعظم ناطحات السحاب التي لا تسقط هي “عقول الأبناء”، اليوم، وأنا أكتب هذه السطور، لا أكتب كمراقب، بل كصوت يرتجف خوفا على جيل كامل يدفن حلمه في فصول لا تليق بآدمية البشر، في منظومة باتت تبيع للأهالي وهما وتجبي منهم “إتاوات” باسم العلم.

على أعتاب كل مدرسة حكومية في مصر، ثمة “جنازة” لمستقبل يشيع كل صباح، مدارس بلا روح، ومناهج بلا معنى، وطلاب يدفع بهم إلى أتون “بورصة السناتر” في رحلة بحث يائسة عن معلومة تاهت وسط ركام الإهمال، حين يتحول “حق التعليم” إلى “عبء اقتصادي” يكسر ظهر الأسرة المصرية، فاعلم أننا أمام لحظة مكاشفة لا ترحم.

نحن أمام معضلة تتجاوز في خطورتها كل التحديات الاقتصادية العابرة، نحن أمام “تآكل للهوية العقلية” لأجيال مصر من السلوم إلى حلايب، حين نتحدث عن التعليم، نحن لا نتحدث عن جداول حصص أو أرقام جلوس، بل نتحدث عن “الأمن القومي المعرفي”، للأسف، المشهد الحالي لم يعد يحتمل التجميل، فواقع مدارسنا في كثير من بقاع مصر تحول إلى “تحد وجودي” لكل أسرة مصرية تحلم بمستقبل لأبنائها.

نعيش الان جنازة المنهج، ومقبرة الإبداع، فقد تجاوزت كثافات الفصول في الدلتا والصعيد أرقاما لا يمكن وصفها إلا بأنها “استنزاف بشري”، 60 طالبا في غرفة واحدة، يتنافسون على “مقعد” قبل أن يتنافسوا على المعلومة، هذا التكدس هو إعلان رسمي عن عجز المؤسسة عن الاستيعاب، ليصبح الطالب ضحية لبيئة تعليمية تقتل الشغف قبل أن يولد.

وما يزيد الجرح عمقا هو تهالك البنية التحتية، مدارس تتساقط أسوارها، ودورات مياه لا تليق بكرامة الإنسان، ومعامل تحولت إلى مخازن للمهجور، في حين أن جوهر العملية التعليمية يكمن في “التجربة والابتكار”.

لقد تحول التعليم إلى “اقتصاد موازي”، حيث أصبحت الكتب الخارجية هي المرجع الوحيد، بينما أضحى الكتاب المدرسي “ديكورا” لا يغني ولا يسمن من جوع، المعلم، ذلك الذي يجب أن يكون حجر الزاوية في نهضة الأمة، يجد نفسه بين مطرقة الحاجة وسندان “تأجير الجهد” للسناتر الخارجية، لقد فقدت المدرسة هيبتها كمنارة للمعرفة، وأصبحت، للأسف، مجرد “محطة حضور وغياب”.

بينما انتقل “سلطان التعليم” إلى أصحاب المصالح الذين جعلوا من العلم “اتاوة” إجبارية على كاهل ولي الأمر المطحون.

إن المأساة الحقيقية تكمن في ملف التعليم الفني، لدينا جيوش من الخريجين ب “شهادات كرتونية” لا تلامس احتياجات السوق الحقيقية، الميزانيات المخصصة تتبخر في مسارات بيروقراطية، بينما الماكينات والمعدات في المدارس الزراعية والصناعية تعاني من “صدأ الزمن”، كيف لنا أن نتحدث عن نهضة صناعية وشبابنا يتخرجون دون مهارة عملية واحدة؟

إن تحويل هذه المدارس إلى “وحدات إنتاجية” تخدم الاقتصاد المحلي هو ضرورة ملحة، وليس ترفا إداريا.

وعندما نتحدث عن خارطة طريق للإنقاذ من التنظير إلى التأثير، فلا يزال في الوقت متسع لتدارك هذا السقوط، لكنه يتطلب “شجاعة الإصلاح”.

اللامركزية التعليمية يجب منح المحافظات صلاحية التكييف التعليمي حسب طبيعتها، فالمحافظة الزراعية لها احتياجات تختلف عن المحافظة الحدودية أو الصناعية.

رقمنة التقييم استبدال الامتحانات الورقية التقليدية، التي تفتح الباب للفساد، بنظام “ملف الإنجاز الرقمي” الذي يراقب تطور الطالب في بيئة شفافة.

إعادة الاعتبار للمعلم، ربط الأداء بالإنتاجية هو العدالة الحقيقية، عندما يشعر المعلم أن دخله مرتبط بمدى تأثيره العلمي في طلابه، سيعود للفصل بكرامته التي نتمناها له.

استثمار “السناتر” بدلا من محاربتها، الدولة تمتلك الأصول، المدارس، لماذا لا نفتح المدارس في فترات مسائية بإدارة حازمة، وبمشاركة المدرسين أصحاب الكفاءات العالية، ليكون العائد المادي لتطوير صيانة تلك المدارس وليس لجيوب الوسطاء؟

إننا نبني الجسور والطرق، وهي خطوة محمودة، ولكن أين العقول التي ستدير هذه البنية التحتية؟ إن “الاستثمار في البشر” هو أغلى وأبقى أصول الدولة، التعليم في مصر ليس مجرد ملف إداري، إنه “قنبلة موقوتة”، إن لم نتعامل معها بجدية ومصارحة، فسنكون قد حكمنا على مستقبلنا ب “شهادة وفاة” قبل أوانها.

أضع هذا الطرح بين يدي صناع القرار، ليس من باب الهجوم، بل من باب الحرص على وطن ننتظر منه أن يلد عباقرة، لا أن يودع طموحات أبنائه في أروقة الفشل.

إن التاريخ لا يرحم أمة تترك مستقبلها في مهب ريح الإهمال، التعليم ليس مجرد أرقام في موازنة، أو تصريحات في مؤتمرات، التعليم هو الروح التي تمنح الجسد المصري القدرة على البقاء، فإذا أردتم أن تبنوا وطنا يليق بأحفادنا، فابدأوا ب “نسف” الجدران الخشبية التي تحجب النور عن عقول أبنائنا، قبل أن تسقط أسوار المدارس فوق آمالنا جميعا، تذكروا جيدا، من يزرع الفراغ في عقول النشء، سيحصد الفوضى في شوارع المستقبل.

يوسف عبداللطيف يكتب: التعليم في الإنعاش.. حين تصبح “الحقيبة المدرسية” أثقل من طموح وطن!

Exit mobile version