Site icon بوابة العمال

وزارة الأوقاف: وسطية الأمة المحمدية واعتصامها بالشرع حصانة من الغلو وطريق للنجاة

فوقية ياسين

أكدت وزارة الأوقاف عبر بوابتها الرقمية أن استقامة أحوال العبد في أمور دينه ودنياه ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحري القصد والاعتدال والبعد عن الغلو، حيث ينبغي على الإنسان المسلم أن يتلمس خطى السلف الصالح في جميع شؤونه، وفي هذا السياق يبرز ما نقله الإمام ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9 /303) قائلًا: «في سبله التي ترجى بها الزلفة لربه، فالواجب على كل ذي لب أن تكون أموره كلها قصدًا في عبادة ربه كان أو في أمر دنياه في عداوة كان أو محبة، في أكل أو شرب أو لباس أو عرى، وبكل هذا ورد الخبر عن السلف أنهم كانوا يفعلون».

​ولذلك جعل الله الأمة المحمدية أمة وسطًا في كل أمورها، بعيدة كل البعد عن الغلو والتشدد، فنالت شرف الوسطية في الدنيا والآخرة فقال جل شأنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: 143]، وقد أفاض المفسرون في بيان هذا الشرف العظيم، حيث قال ابن جرير الطبري في جامعه البيان (3 /141): (يعني جل ثناؤه كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم بالتوفيق لقِبلة إبراهيم عليه السلام وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل، كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن ‌جعلناكم ‌أمة ‌وسطًا)، كما ورد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ‌جَعَلْناكُمْ ‌أُمَّةً ‌وَسَطًا﴾ قال عدلاً، كما أخرجه ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (1 /327).

​وفي إطار التمسك بما جاء به الشرع الشريف والاعتصام به، أوضحت الوزارة أن القرآن الكريم جاء دستورًا للأمة، ولتوحيد صفها، ونبذ الفرقة والاختلاف فقال جل شأنه: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: 103]، وجاءت السنة النبوية المطهرة مؤكدة على هذا المعنى العظيم، كما ورد في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديثه الطويل عن صفة حجة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ» برواية الإمام مسلم في صحيحه رقم (1218)، فهذه وصية من أعظم الوصايا النبوية التي يجب على المجتمع المسلم أن يتمسك بها؛ إذ حث صلى الله عليه وسلم المسلمين على التمسك بكتاب الله، والاهتداء بتعاليمه، وتنفيذ أحكامه، واتباع سنته، ففيهما الخير والهداية، والنجاة مِن كل شرٍّ وسوء؛ فعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: ‌كِتَابَ ‌اللَّهِ ‌وَسُنَّةَ ‌نَبِيِّهِ» كما ورد في موطأ الإمام مالك (2 /899).

​وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا التمسك والالتزام الدقيق بالوحي في أدق الأفعال التي كان يفعلها وهو يرمي الجمرات؛ فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَقَالَ: ‌خُذُوا ‌عَنِّي ‌مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا» والحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى رقم (9524).

​وفي هذه اللحظات المباركة، ينزل أمين الوحي جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتهل إلى الله بالدعاء على صعيد عرفات الطاهر، حاملًا قوله تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِینࣰاۚ﴾ [المائدة: 3]، وهي آية عظيمة تقرِّر وتؤكد أن الله سبحانه وتعالى قد أكمل هذا الدين، ولم يترك لأحد من الخلق مجالًا ليزيد فيه أو ينقص منه، فلا حلال إلا ما أحل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولعِظم هذه الآية ومكانتها فعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿‌الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ ‌دِينَكُمْ ‌وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» وهو ما رواه الإمام البخاري في صحيحه.

Exit mobile version