Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: الجامعات.. منارات للعقل ام دكاكين لبيع الأوراق؟

في الوقت الذي يضع فيه العالم أرقى عقوله في مراكز الأبحاث لصناعة المستقبل، يغرقنا واقعنا التعليمي في مستنقع “الألقاب المستعارة”، نحن لا نعاني من أزمة خريجين، بل من أزمة “حقيقة”، حيث تحولت الجامعات من منارات للعقل إلى دكاكين تبيع الأوراق، وحيث صارت “الشهادة” مجرد بطاقة مرور لجيش من العاطلين الذين لا يملكون من المهارة إلا الاسم، إنها ليست مجرد أزمة نظام، بل هي عملية “تصحير” لعقول الأمة.

فهل أصبحت الدرجة الأكاديمية في مصر مجرد “ديكور اجتماعي” يغطي عورات العجز المعرفي؟ إن المشهد التعليمي اليوم لا يحتاج إلى إصلاحات ترقيعية بقدر ما يحتاج إلى “مشرط جراح” يستأصل أورام الفساد التي نخرت في عظام العملية التعليمية، إن صمتنا عن هذا الانحدار ليس إلا تواطؤا على مستقبل أجيال كاملة، فالعلم الذي لا يغير واقع الناس ويحل مشاكلهم هو مجرد حبر على ورق.

بينما يتسابق العالم نحو حجز مقعد في قطار الثورة الصناعية الرابعة، وبينما تبنى نهضة الأمم على ركائز البحث العلمي الرصين، نجد أنفسنا في مصر أمام مشهد يبعث على التساؤل الممزوج بالألم: هل ما زلنا نخرج “عقولا” لبناء الوطن، أم تحولت مؤسساتنا التعليمية إلى “خطوط إنتاج” لشهادات باتت تفتقر إلى القيمة المعرفية والعملية؟

إن الجزء الثاني من هذا الملف ليس مجرد رصد للقصور، بل هو جرس إنذار صريح حول تحول الجامعات إلى مجمعات استهلاكية، حيث تلاشت هيبة العلم أمام سطوة “البزنس”.

لقد باتت الجامعات الخاصة في كثير من نماذجها، أشبه بمراكز الخدمات التي تعتمد على “قوة الملاءة المالية” لا “قوة الموهبة”، حين يتحول القبول الجامعي إلى تذكرة مدفوعة الأجر، متجاوزا معايير الكفاءة والاستحقاق، فإننا نخلق فجوة طبقية لا تهدد التعليم فحسب، بل تهدد أمن المجتمع المهني، فبناء الأوطان لا يحتمل “الهواة”، والخطأ في الطب أو الهندسة لا يجبر باعتذار، بل يدفع ثمنه من أرواح البشر ومقدرات البلاد.

من المحزن أن تظل بعض كلياتنا حبيسة مناهج الستينات، بينما العالم من حولنا يتحدث عن لغة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، إن تخريج أجيال مسلحة بنظريات عفى عليها الزمن هو بمثابة حكم مسبق عليهم بالبطالة، الفجوة اليوم ليست بين الطالب وسوق العمل، بل بين “المدرج” و”الواقع”.

لقد تحولت العلاقة بين الأستاذ والطالب في بعض الأروقة إلى علاقة “بائع ومستهلك”، حينما يصبح الكتاب الجامعي أداة للابتزاز أو شرطا للنجاح، فإننا نغتال قدسية الأستاذ الجامعي، والأدهى من ذلك هو “سوق الرسائل العلمية” الموازي، حيث تباع الألقاب لمن يدفع، لتفرغ الدرجات الأكاديمية من قيمتها، وتغيب الابتكارات الحقيقية التي تخدم الاقتصاد الوطني.

لا يمكن الحديث عن فساد المنظومة دون الإنصاف في تشخيص معاناة الأستاذ الجامعي نفسه، بين أستاذ مكافح يضطر للبحث عن مورد رزق إضافي في صورة “دروس خصوصية” تحت اسم أكاديمي، وبين “عابر للقارات” يركض خلف الانتدابات تاركا واجبه الأساسي في بناء جيل من الباحثين، نحن بحاجة إلى استراتيجية تعيد للأستاذ كرامته المالية والعلمية، ليتفرغ لمحرابه الأساسي.

إن الحل ليس في “الترقيع”، بل في نسف الموروث البيروقراطي واستبداله بمنظومة مرنة، الجامعة المنتجة، تحويل كليات الهندسة والزراعة إلى كيانات تنفيذية تشارك في المشاريع القومية، ليتدرب الطالب “صنايعيا” قبل أن يتخرج “مهندسا”.

التأميم الرقمي للمناهج، تفعيل منصات تعليمية مجانية شاملة، وفصل مكافأة الدكتور عن بيع الكتاب، وربطها بإنتاجه البحثي والابتكاري.

صك الكفاءة، لن تمنح الشهادة الجامعية وحدها حق دخول سوق العمل، بل “سنة التدريب الإجباري” الميداني، تحت إشراف مؤسسات العمل ذاتها، لنضمن أن الخريج هو إضافة نوعية للاقتصاد لا عبئا إضافيا عليه.

إن الاقتصاد الحقيقي لا يدار في “البورصة” بقدر ما يدار في “المختبرات” و”مراكز البحوث”، إن التعليم هو عصب الأمة، وإذا استمرت السياسات التعليمية في تخريج أرقام لا كفاءات، فإننا نؤخر نهضة هذا البلد لعقود قادمة.

حان الوقت لنرفع القلم لنبني، لا لنكتب شهادات وفاة لطموحات الأجيال.

التعليم هو قضية أمن قومي، وليس مشروعا تجاريا للربح السريع، نحن لا نحتاج إلى المزيد من المكاتب التي تبيع الرسائل، ولا الجامعات التي تبيع الشهادات، نحن نحتاج إلى “ثورة ضمير” تعيد للعلم هيبته، وللمتعلم قيمته، سأظل أكتب، وأصرخ، وأحلل، حتى تدرك عقول المسؤولين قبل غيرهم أن تدمير التعليم يعني تدمير الوطن، وما تزال في جعبتنا بقية من حقائق، والحديث عن “السياسة والفساد الإداري” سيكون هو الزلزال القادم.

إننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن نستعيد قدسية القلم ومحراب الجامعة، أو نقف لنشاهد بدم بارد “انهيار العقل المصري”، لا يمكن لدولة أن تحلم بمكانة بين الكبار وهي تغض الطرف عن تحويل مؤسساتها التعليمية إلى مجمعات استهلاكية، القلم الذي لا يزلزل كراسي المتخاذلين والمتاجرين بمستقبل الأجيال لا يستحق أن يحمله كاتب، والمدرج الذي لا يخرج عقولا قادرة على الابتكار هو مجرد عبء على ميزانية الوطن، الرحلة لم تنته بعد، والسكوت عن هذا “التخريب المتعمد” ليس إلا مشاركة في جريمة القتل البطيء لمستقبل مصر.

يوسف عبداللطيف يكتب: الجامعات.. منارات للعقل ام دكاكين لبيع الأوراق؟

Exit mobile version