Site icon بوابة العمال

المال قبل السياسة.. ديون واشنطن تهز منظمة العمل الدولية وتثير مخاوف على برامج التنمية بالمنطقة العربية

 

كتبت _ نجوي ابراهيم 

في وقت تتواصل فيه أعمال الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولي في جنيف، برزت أزمة مالية غير مسبوقة داخل منظمة العمل الدولية لتفرض نفسها على المشهد، بعدما تحولت متأخرات الولايات المتحدة المالية إلى قضية تمس هيكل القيادة داخل المنظمة وتثير تساؤلات بشأن مستقبل برامجها التنموية حول العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

وجاءت الأزمة إلى الواجهة بقوة بعد قرار المدير العام للمنظمة، جيلبرت هونغبو، إلغاء تعيين المسؤول الأمريكي شينغ لي في منصب نائب المدير العام، رغم الإعلان عن اختياره رسميًا قبل أسابيع، وذلك بسبب استمرار تأخر الولايات المتحدة في سداد مساهماتها المالية المستحقة للمنظمة.

ويعد القرار استثنائيًا بكل المقاييس، ليس فقط لأنه يتعلق بأحد أعلى المناصب القيادية داخل منظمة العمل الدولية، ولكن أيضًا لأن هذا المنصب ظل لعقود طويلة يشغله مسؤول أمريكي في إطار توازنات غير مكتوبة تعكس الثقل المالي والسياسي الذي تتمتع به واشنطن داخل المؤسسات الدولية.

وتعود جذور الأزمة إلى تراكم المتأخرات المالية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت الديون غير المسددة 173 مليون فرنك سويسري عن أعوام سابقة، فيما يتعين على الولايات المتحدة سداد نحو 84 مليون فرنك إضافية تمثل مساهمتها المقررة لعام 2026، لترتفع قيمة المستحقات الإجمالية إلى ما يقرب من 257 مليون فرنك سويسري، وهو ما يمثل أحد أكبر ملفات المتأخرات المالية التي تواجهها المنظمة في تاريخها الحديث.

ولا تكمن خطورة الأزمة في حجم المبلغ فقط، وإنما في هوية الطرف المدين، فالولايات المتحدة تعد أكبر مساهم منفرد في الميزانية العادية لمنظمة العمل الدولية، حيث تتحمل ما يقرب من 22% من إجمالي المساهمات الإلزامية للدول الأعضاء. وبالتالي فإن أي تأخير طويل في السداد ينعكس مباشرة على السيولة المالية المتاحة للمنظمة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية وبرامجها المختلفة.

وخلال الأشهر الأخيرة بدأت تداعيات الأزمة تظهر تدريجيًا داخل أروقة المنظمة. فقد اتجهت الإدارة إلى مراجعة بنود الإنفاق، وتجميد بعض التعيينات الجديدة، والحد من المصروفات غير الأساسية، مع دراسة إجراءات إضافية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي وضمان استمرار تنفيذ الأنشطة الرئيسية دون اضطرابات كبيرة.

ويرى مراقبون أن قرار إلغاء تعيين شينغ لي حمل دلالات تتجاوز الجانب الإداري، إذ يعكس رغبة واضحة في التأكيد على أن الالتزامات المالية أصبحت عنصرًا حاكمًا في إدارة المؤسسات الدولية، وأن النفوذ السياسي أو الثقل التاريخي للدول الكبرى لم يعد كافيًا وحده للحفاظ على الامتيازات التقليدية داخل هذه المؤسسات.

وفي هذا السياق، يكتسب القرار أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة تشهد فيها المنظمة مناقشات متواصلة بشأن أولويات الإنفاق والتمويل واستدامة البرامج، إلى جانب التحضير للاستحقاقات الإدارية والتنظيمية المقبلة داخل هياكلها المختلفة، وهو ما يجعل الأزمة الحالية أكثر من مجرد خلاف مالي عابر.

لكن السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن أن تمتد آثار هذه الأزمة إلى برامج ومشروعات التنمية التي تنفذها المنظمة في المنطقة العربية؟

حيث تمثل المنطقة العربية إحدى الساحات الرئيسية لعمل منظمة العمل الدولية، و تنفذ عشرات البرامج والمبادرات المتعلقة بالتشغيل، وتنمية المهارات، والحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة اقتصاديًا، ودعم الشباب، ومكافحة عمل الأطفال، وتطوير التشريعات العمالية، وتعزيز الحوار الاجتماعي بين الحكومات وأصحاب الأعمال والتنظيمات النقابية.

كما تلعب المنظمة دورًا محوريًا في عدد من الدول العربية فيما يتعلق بقضايا الهجرة واللجوء والعمل اللائق وإعادة بناء أسواق العمل في المناطق المتأثرة بالأزمات والصراعات، فضلًا عن تقديم الدعم الفني للحكومات في تنفيذ إصلاحات مرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية.

ويؤكد خبراء أن غالبية البرامج القائمة حاليًا لا تواجه خطر التوقف الفوري، نظرًا لأن جزءًا كبيرًا منها يعتمد على تمويلات طوعية ومنح مخصصة من شركاء دوليين ومؤسسات تنموية، إلا أن استمرار الضغوط المالية على الميزانية الأساسية للمنظمة قد ينعكس على قدرتها على إطلاق مبادرات جديدة أو التوسع في برامج قائمة خلال السنوات المقبلة.

كما قد تضطر المنظمة إلى إعادة ترتيب أولوياتها التمويلية، بما يوجه الموارد المتاحة إلى الملفات الأكثر إلحاحًا، وهو ما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على حجم الدعم الفني والاستشاري المقدم لبعض الدول والمشروعات.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية مضاعفة في ظل التحديات التي تواجهها أسواق العمل العربية، بدءًا من معدلات بطالة الشباب المرتفعة في عدد من الدول، مرورًا بتداعيات التحولات التكنولوجية والرقمية، ووصولًا إلى الحاجة المتزايدة لتطوير نظم الحماية الاجتماعية وتعزيز فرص العمل اللائق.

ويرى متابعون أن الرسالة الأبرز التي خرجت من جنيف لا تتعلق فقط بإلغاء تعيين مسؤول أمريكي، بل تشير إلى أن منظمة العمل الدولية تواجه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بقدرتها على الحفاظ على برامجها وأدوارها العالمية في ظل أزمة تمويل متصاعدة.

كما تعكس في الوقت نفسه تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقة بين التمويل والنفوذ داخل المؤسسات الدولية.

فإذا كانت المناصب القيادية داخل بعض المنظمات الأممية ارتبطت تاريخيًا بثقل الدول الممولة، فإن الأزمة الحالية توحي بأن الوفاء بالالتزامات المالية أصبح شرطًا لا يقل أهمية عن النفوذ السياسي في تحديد مكانة الدول داخل تلك المؤسسات.

كما تفتح الأزمة الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل التوازنات داخل المنظمة خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع اقتراب عدد من الاستحقاقات التنظيمية والإدارية المهمة، وما إذا كانت أزمة التمويل الحالية ستؤثر على خريطة النفوذ التقليدية داخل أجهزة المنظمة المختلفة، أو تدفع نحو مراجعة بعض الأعراف غير المكتوبة التي حكمت توزيع المناصب القيادية لعقود طويلة.

وبينما تؤكد المنظمة استمرار الحوار مع الحكومة الأمريكية بشأن تسوية المتأخرات، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة، خاصة أن معالجة الأزمة لن تحدد فقط مصير أحد المناصب القيادية، بل قد يكون لها تأثير مباشر على مستقبل برامج التنمية والتشغيل والحماية الاجتماعية التي يعتمد عليها ملايين المستفيدين حول العالم، وفي مقدمتهم شعوب المنطقة العربية.

Exit mobile version