معركة الأجور تشتعل في جنيف.. و«وقت الانتظار» يفجر خلافات عمال المنصات وأصحاب الأعمال

كتبت _ نجوى ابراهيم
تصاعدت حدة الخلافات داخل لجنة “العمل اللائق في اقتصاد المنصات” المنعقدة على هامش الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولي بجنيف، مع دخول المفاوضات مرحلة حاسمة تتعلق بحقوق ملايين العاملين عبر المنصات الرقمية حول العالم، وسط انقسام واضح بين ممثلي العمال وأصحاب الأعمال بشأن عدد من المواد الجوهرية في مشروع الاتفاقية الدولية المرتقبة.
وكشفت المناقشات التي جرت خلال اجتماع فريق العمال صباح اليوم الإثنين أن ملف الأجور بات في صدارة القضايا الخلافية، في وقت برزت فيه قضية “وقت الانتظار” باعتبارها واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل داخل اللجنة، لما يترتب عليها من آثار مباشرة على دخول العاملين ومستويات الحماية التي سيتمتعون بها مستقبلًا.
ووفقا لما تم عرضه خلال الاجتماع، رفض ممثلو أصحاب الأعمال المقترحات التي تدعو إلى اعتبار فترات الانتظار التي يقضيها العاملون على تطبيقات النقل والتوصيل والمنصات الرقمية ضمن ساعات العمل المدفوعة الأجر.

ويرى أصحاب الأعمال أن العامل خلال تلك الفترات لا يؤدي خدمة فعلية ولا ينفذ مهمة محددة، وبالتالي لا يمكن احتسابها كوقت عمل يستوجب الأجر.
في المقابل، تمسك ممثلو العمال بموقفهم الداعي إلى الاعتراف بوقت الانتظار كجزء من وقت العمل الفعلي، مؤكدين أن العامل يكون خلال هذه الفترة تحت تصرف المنصة بشكل كامل، ملتزمًا بالبقاء متصلًا بالتطبيق وجاهزًا لتلقي المهام في أي لحظة، وهو ما يحد من قدرته على ممارسة أي نشاط آخر يدر عليه دخلًا.
ويرى ممثلو العمال أن تجاهل هذه الفترات يؤدي إلى تقليص الأجر الحقيقي الذي يحصل عليه العامل، خاصة في قطاعات التوصيل والنقل التي قد يقضي فيها العامل ساعات طويلة في انتظار الطلبات دون مقابل، رغم بقائه مرتبطًا بالمنصة وخاضعًا لسياساتها التشغيلية.
وامتدت الخلافات إلى المادة الخاصة بالأجر العادل، والتي تستحوذ على جانب كبير من مناقشات اللجنة خلال جلسات اليوم.
ويطالب فريق العمال بإدراج نصوص واضحة تضمن حصول العاملين عبر المنصات على أجر عادل يتناسب مع الوقت الذي يقضونه في العمل، ويوفر لهم مستوى معيشيًا لائقًا ويحميهم من التقلبات التي تفرضها الخوارزميات أو سياسات التسعير المتغيرة.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور حسام الدين مصطفى رئيس النقابة العامة لأعمال النقل البحري وعضو فريق العمال المصري المشارك في أعمال المؤتمر، أن المفاوضات الجارية داخل لجنة اقتصاد المنصات تمثل واحدة من أهم القضايا المطروحة حاليًا على أجندة منظمة العمل الدولية، لما لها من تأثير مباشر على مستقبل العمل ومصير ملايين العاملين الذين يعتمدون على المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للدخل.
وقال الدكتور حسام إن قضية “وقت الانتظار” تعد من القضايا الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها عند مناقشة الأجر العادل، موضحًا أن العامل الذي يقضي ساعات طويلة تحت تصرف المنصة، في انتظار تلقي المهام أو الطلبات، لا يجب أن يتحمل وحده تكلفة هذا الوقت دون أي مقابل.
وأضاف أن فريق العمال يتمسك بضرورة تضمين الاتفاقية الدولية الجديدة نصوصًا واضحة تضمن الأجر العادل والحماية الاجتماعية وحقوق العمل الأساسية، بما يتواكب مع التحولات التي يشهدها سوق العمل العالمي نتيجة التوسع المتسارع في الاقتصاد الرقمي.
وشدد حسام الدين مصطفى على أن الهدف ليس عرقلة تطور المنصات الرقمية أو الحد من الابتكار، وإنما تحقيق التوازن بين متطلبات التطور التكنولوجي وحقوق الإنسان في العمل، مؤكدًا أن العمال في مختلف دول العالم يتطلعون إلى خروج المؤتمر بمعايير دولية تضمن العدالة وتحفظ الكرامة الإنسانية للعاملين في هذا القطاع المتنامي.
ولفت الى ان أصحاب الأعمال أبدوا تحفظات واسعة على عدد من الصياغات المقترحة، معتبرين أن الاتفاقية الدولية يجب أن تضع مبادئ عامة فقط، وأن تترك مسألة تحديد الأجور وآليات احتسابها للتشريعات الوطنية وظروف كل دولة وسوق عملها.

وكشفت المناقشات كذلك عن محاولة فريق العمال اللجوء إلى التصويت لحسم بعض المواد الخلافية بعد تعثر التوصل إلى توافق بشأنها، إلا أن رئيس اللجنة رفض طرح هذه البنود للتصويت في المرحلة الحالية، مفضلاً استمرار الحوار بين الأطراف الثلاثة أملاً في الوصول إلى صيغ توافقية تحظى بقبول أوسع.
و اكد انه على الرغم من استمرار الخلافات حول القضايا الرئيسية، نجحت اللجنة في إحراز تقدم محدود بشأن بعض المواد الأخرى، حيث تم التوافق على البندين السادس والسابع المتعلقين بالعنف والتحرش في بيئة العمل الرقمية، واللذين ينصان على حق العاملين عبر المنصات في بيئة عمل خالية من جميع أشكال العنف والتحرش والتمييز، مع توفير آليات فعالة للحماية وتلقي الشكاوى.
كما تمكنت اللجنة من التوافق على المادة الثامنة الخاصة بعلاقة العمل، والتي تعد من المواد الأساسية في مشروع الاتفاقية، نظرًا لارتباطها بتحديد طبيعة العلاقة القانونية بين العامل والمنصة الرقمية.
وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه بقية الحقوق والالتزامات، بما في ذلك الأجور والحماية الاجتماعية والتأمينات والحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية.
كما تسعى إلى وضع معايير تساعد الدول على تحديد ما إذا كانت العلاقة القائمة بين العامل والمنصة تمثل علاقة عمل فعلية أم شكلًا آخر من أشكال التعاقد.
ويؤكد متابعون لأعمال المؤتمر أن الخلافات الحالية لا تتعلق فقط ببعض الصياغات القانونية، بل تعكس صراعًا أوسع حول شكل سوق العمل في المستقبل، وحدود مسؤولية المنصات الرقمية تجاه العاملين لديها، في ظل التوسع المتسارع لهذا القطاع على مستوى العالم.
ومع اقتراب اللجنة من المراحل النهائية لمناقشة مشروع الاتفاقية، تتجه الأنظار إلى نتائج المفاوضات الجارية بشأن الأجر العادل ووقت العمل والحماية الاجتماعية، باعتبارها الملفات التي ستحدد مدى قوة المعايير الدولية الجديدة ومدى قدرتها على توفير حماية حقيقية للعاملين في اقتصاد المنصات.
إن ما يجري حاليًا داخل قاعات التفاوض في جنيف قد يرسم ملامح العلاقة بين العمال والمنصات الرقمية لسنوات طويلة مقبلة، ويحدد إلى أي مدى ستتمكن التشريعات الدولية من مواكبة التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي على أسواق العمل حول العالم.








