ابراهيم العمده يكتب : الكلمة الحرة ليست رفاهية تمنحها السلطة

في الثالث من مايو من كل عام ترفع المنابر الإعلامية حول العالم رايتها احتفاءً باليوم العالمي لحرية الصحافة يوم نؤكد فيه أن الكلمة الحرة ليست رفاهية تمنحها السلطات بل حق أصيل للشعوب ورئة لا تتنفس الديمقراطية بدونها لكن الواقع يقول إن هذا اليوم يمر كل عام وثقل المعاناة على كتف الصحفي يزداد حتى صار القلم نفسه يحمل جراحاً لا تقل عن جراح من يكتب عنهم.
لم تعد معاناة الصحفي اليوم مجرد خبر تم حذفه من صفحة أولى أو تحقيق أُوقف في منتصف الطريق، المعاناة تحولت إلى ثلاث ضربات متتالية على رأس المهنة الضربة الأولى اقتصادية بامتياز فإغلاق الصحف وتسريح الزملاء وتدني وتأخر الرواتب جعل الصحفي الذي كان بالأمس يطارد الحقيقة يطارد اليوم قوت يومه وأقساط بيته كيف لقلم مثقل بهموم الإيجار والفواتير أن يكون جريئاً في المواجهة؟
الفقر يقتل حرية الرأي قبل أن يقتلها أي قانون أو رقيب لأن الصحفي الجائع لا يملك ترف المخاطرة.
أما الضربة الثانية فهي أزمة الثقة التي فجرتها “صحافة السوشيال ميديا” ومواقع “بير السلم” ضاعت الحدود بين الخبر والرأي وبين الصحفي الذي درس المهنة وتدرب على التحقق من المصادر وبين ناشط يكتب منشوراً عاطفياً يحصد به آلاف التفاعلات، المواطن لم يعد يفرق والنتيجة أن الشك تسلل إلى قلب المتلقي صارت كلمة “صحفي” نفسها تحتاج إلى دفاع قبل أن تدافع عن حق الناس.
والضربة الثالثة هي الأشد قسوة أزمة الأمان المهني الصحفى اليوم لا يكتب فقط بل يحاسب نفسه على كل حرف قبل أن يكتبه ليس خوفاً من الحقيقة فالحقيقة هي مهنته بل خوفاً من أن تتحول الكلمة إلى تهمة ومن أن يصبح القلم دليل إدانة.
هذه “الرقابة الذاتية القاتلة” أشرس من أي مقص رقيب لأنها تنمو داخل العقل وتجعل الصحفي يتراجع خطوة للخلف حتى قبل أن يبدأ المعركة.
وذا كانت هذه الأزمات تقتل الصحفي ماديا ومعنوياً فإن المستقبل يحمل تحدياً أخطر الذكاء الاصطناعي كيف نواجه أخباراً مزيفة مصنوعة بدقة تبكي؟
كيف نثبت قيمة “المصدر” و”التحقق” في زمن صار فيه تصنيع الفيديو أسهل من تصوير الواقع؟
المعركة لم تعد على الورق أو على الشاشة بل على عقل المواطن نفسه التحدي الأكبر ليس التكنولوجيا بل “إرادة الحقيقة” هل نريد صحافة تشرح للناس لماذا حدث الشيء وما خلفيته أم نرضى بصحافة تكرر فقط ماذا حدث؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين صحفي وبين ناقل أخبار بين عقل يفكر وبين آلة تنقل.
وفي قلب هذا اليوم لا يمكن أن “نمر” مرور الكرام على بيت الصحفيين الأول في مصر والعالم العربي نقابة الصحفيين المصرية اليوم تقف النقابة على مفترق تاريخي خطير “لعامين” كاملين “امتنعت” النقابة عن تنفيذ أحكام قضائية “نهائية وباتة” بقيد زملاء صحفيين “حصلوا” على حقوقهم بحكم القانون أحكام صدرت باسم الشعب وأصبحت واجبة النفاذ لكنها اصطدمت بحائط من المماطلة وعدم الامتثال هذه ليست مجرد قضية “قيد” في سجلات، هذه قضية “دولة قانون” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فإذا كانت نقابة الصحفيين قلعة الحريات والحصن المدافع عن سيادة القانون هي أول من “يمتنع” عن “تنفيذ” حكم قضائي نهائي فبأي منطق نطالب المؤسسات باحترام القانون؟
إن عدم تنفيذ أحكام القيد لا يضر الزملاء أصحاب الأحكام فقط بل يضرب في صميم شرعية النقابة نفسها يرسل رسالة خطيرة مفادها أن “اللوائح الداخلية” يمكن أن تعلو فوق أحكام القضاء وهذا يفتح الباب أمام فوضى لا تحمد عقباها نحن لا نطالب بمخالفة القانون بل نطالب بالامتثال له نطالب نقابة الحريات بأن تكون أول “الملتزمين” بالحريات “عامان” من الانتظار كافيان إما أن نكون نقابة نحترم أحكام القضاء وننفذها فوراً وإما أن نخسر معركتنا الأخلاقية أمام الصحفي الصغير قبل الكبير إن استعادة هيبة النقابة “تبدأ” من تنفيذ القانون على نفسها قبل أن تطالب به غيرها “زملاؤنا” أصحاب الأحكام النهائية ينتظرون والمهنة كلها تنظر هل ستنتصر النقابة للقانون أم ستخسر رصيدها؟
في هذا اليوم لا نريد شعارات تُرفع ثم تُطوى نريد أفعالاً تترجم الأقوال نريد صحفياً لا يرتجف قلبه وهو يكتب الحقيقة خوفاً على رزقه نريد نقابة تحترم القانون قبل أن تطالب به نريد مواطناً يعرف الفرق بين الصحفي الذي يحمل أمانة الكلمة وبين مدعي يحمل أمانة “اللايك”
الصحافة ليست مهنة من لا مهنة له كما يروج البعض الصحافة ضمير الأمة النابض وعينها التي لا تنام ولسانها الذي لا يسكت وإذا سكت “الضمير” ماتت الأمة قبل أن تموت فكل عام وكل قلم حر بخير وكل عام والكلمة أقوى من السجن وأصدق من التضليل وأبقى من كل خوف.
وللحديث بقية
ابراهيم العمده يكتب : الكلمة الحرة ليست رفاهية تمنحها السلطة








