Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: القضبان الحديدية مقصلة للأرواح الوطنية

في الميثاق الأخلاقي للأوطان، لا توجد تذكرة قطار تدفع قيمتها مرتين، مرة من جيوب المواطنين عبر بورصة الأسعار والمليارات المقترضة، ومرة أخرى من لحمهم الحي وأرواحهم تحت عجلات الآلات الصماء.

حين تتحول القضبان الحديدية من شريان للتنمية إلى ما يشبه مقصلة وطنية تلتهم الأجساد صبيحة ومساء، تصبح مجاملة المسؤولين خيانة لدم الأبرياء، ويتحول الصمت الإداري إلى شق جاد في جدار الجريمة.

فالقسم الدستوري الأسمى لأي مسؤول ليس الحفاظ على فخامة المقاعد أو ألوان القطارات من الخارج، بل الحفاظ على النفس البشرية التي كرمها الله. وحين تعجز وزارة النقل، بكامل ترسانتها التمويلية وقروضها المليارية المصدق عليها من برلمان الشعب، عن توفير الحد الأدنى من الأمان للمواطن، فإننا لا نتحدث هنا عن “خلل تقني”، بل عن سقوط إداري مروع يوجب الحساب.

فحين تصبح الرحلة على قضبان السكك الحديدية في مصر أشبه برهان مفتوح على الحياة أو الموت، وحين يتحول رصيف المحطة من مساحة للقاء الإنساني إلى روليت روسي يترقب فيه المواطن مصيره، فإننا لا نملك ترف الصمت أو تجميل المفردات.

إن المشهد المتكرر للأجساد التي تدهسها العجلات الحديدية، وتطحنها الآلات صبيحة ومساء، لم يعد يمثل مجرد “عطل فني” أو “خطأ بشري عابر”، بل هو تجسيد حي لأزمة إدارة وثقافة سياسية وتنفيذية باتت تتعامل مع دم المواطن المصري بوصفه رقما هامشيا في دفاتر الحسابات المؤجلة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فوق أشلاء الضحايا وأنين المصابين ليس سؤالا هندسيا عن جودة القضبان، بل هو سؤال قانوني، يوجه مباشرة إلى من يهمه الامر، وإلى النواب الذين اؤتمنوا على رقابة تلك الاجهزة .

لغة الدم لا تكذب، الواقع خلف الستار الإحصائي، فإذا رجعنا إلى التقارير والبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء على مدار العقد الأخير، والتوثيق الحقوقي والإعلامي المرتبط بحوادث السكك الحديدية، سنجد أنفسنا أمام سجل مرعب من الفواجع المتقطعة، آلاف الحوادث المتنوعة بين تصادم، وخروج عن القضبان، وانفصال عربات، ودهس مفجع عند المزلقانات غير المطورة، وهي حوادث حصدت مئات الأرواح البريئة وخلفت آلاف المصابين بعاهات مستديمة.

إن الفاجعة الحقيقية تكمن في المفارقة الصارخة، كيف يستقيم عقلا أو منطقا أن يستمر نزيف الدماء وتتوالى مشاهد الدهس لأجساد المواطنين، أحياء وأمواتا، في ذات التوقيت الذي تعلن فيه وزارة النقل عن ثورات تكنولوجية، ورقمية، وتحديثات هائلة في البنية التحتية؟

إن بقاء العوار الإداري الذي يسمح بوقوع هذه الكوارث البدائية في عصر القطارات الذكية هو دليل إدانة قاطع على وجود فجوة سحيقة بين “الاستعراض الإنجازي” على الورق والشاشات، وبين “الواقع الدموي” على القضبان والمزلقانات.

لغز المليارات، أين تبخرت أموال القروض والاعتمادات؟ ،وهنا أخلع قفازات المجاملة لأواجه حقيقة الأرقام، فلقد وافق مجلس النواب، عبر حزم تشريعية متتالية، على قروض دولية واعتمادات مالية مليارية من جيوب دافعي الضرائب ومن التزامات الدولة المستقبلية، خصصت بالاسم وبنصوص القانون لغرض واحد محدد، تطوير شبكة السكك الحديدية، وتحديث نظم الإشارات والمزلقانات، وتأمين العنصر البشري وتدريبه.

والتساؤل المشروع الذي يمتلكه كل مواطن بموجب الدستور، أين هو الأثر الحمائي الملموس لهذه المليارات على جسد المواطن البسيط؟ فإن النجاح الاقتصادي والإداري لأي مرفق خدمي جماهيري لا يقاس مطلقا بفخامة التصميم الخارجي للقطارات، ولا ببريق المحطات الجديدة، ولا بالقيمة المرتفعة للتذاكر التي أثقلت كاهل البسطاء، بل يقاس بمعيار عالمي وحيد وثابت، المعدل الصفري للحوادث وتأمين الأرواح.

إن تأخر العائد الأمني للأموال المقترضة، واستمرار الكوارث بنفس النمط القديم، يضع علامات استفهام قانونية واقتصادية كبرى حول سوء ترتيب الأولويات الإدارية، حيث جرى تقديم “الجمالي والمظهري” على حساب “الجهد البنيوي الأساسي” الذي يحمي المواطن من الفتك والدهس.

وعندما نتحدث عن المسؤولية السياسية والجنائية، نجدها تقع علي عاتق المسؤول الأول عن ذلك المرفق ويجب المساءلة، ففي العلوم السياسية العميقة والنظم الدستورية المحترمة، هناك قاعدة ذهبية لا تقبل الالتفاف، “السلطة المطلقة تعني مسؤولية مطلقة”.

إن محاولات التنصل الإداري المستمرة عبر إلقاء اللائمة والمسؤولية الكاملة على “العنصر البشري الضعيف”، أو “عامل التحويلة”، أو “سلوكيات المواطنين العفوية”، هي حجج واهية لم تعد تنطلي على عقل أو منطق. الوزير الذي منح كافة الصلاحيات والدعم المالي والسياسي غير المسبوق، هو المسؤول عن خلق “السيستم” الآمن الذي يمنع الخطأ البشري من التحول إلى مذبحة.

الحفاظ على حياة الإنسان المصري هو القسم الدستوري الأسمى، وحين يعجز المسؤول عن الوفاء بهذا القسم، تصبح إقالته ومحاسبته واجبا وطنيا لا يقبل التأجيل.

وعندما يتخاذل الرقيب، وجب علينا تقديم عتاب ثقيل لنواب الشعب، فلا يمكن أن نعفي مجلس النواب من مسؤوليته التاريخية والدستورية. إن الموقف الرقابي المتراخي، والذي يصل في كثير من الأحيان إلى حد التماهي مع المبررات الحكومية، يضع البرلمان في موضع تساؤل أمام الناخبين.

أين الأدوات الرقابية الحاسمة؟ أين الاستجوابات التي تهز أركان المقصرين؟ إن الاكتفاء بتشكيل “لجان تقصي حقائق” تفرغ الكوارث من مضمونها السياسي وتحولها إلى تقارير تحفظ في الأدراج، هو تفريط صريح في الأمانة التي حملها نواب الشعب.

البرلمان الذي يوافق على القروض ملزم قانونا بمراقبة أوجه إنفاقها ومحاسبة المقصر في تفعيلها.

القضبان شريان حياة.. لا ساحة إعدام، فإن السكك الحديدية في مصر يجب أن تكون شريانا يربط أطراف هذا الوطن وينبض بالحياة والتنمية، لا مقصلة حديدية متحركة تحصد الأرواح وتترك وراءها عائلات مكلومة وثكلى. إن التشدق ببناء “المستقبل” لا يمكن أن يستقيم على أرضية قضبانها مغموسة بدماء الأبرياء.

إن دماء المصريين التي أريقت على القضبان ليست حبرا يجفف ببيانات التعازي، ولا أرقاما تطوى في لجان تقصي الحقائق. إنها صرخة ضمير تقض مضاجع الصامتين والمقصرين.

يوسف عبداللطيف يكتب: القضبان الحديدية مقصلة للأرواح الوطنية

Exit mobile version