Site icon بوابة العمال

ابراهيم العمدة يكتب : المعادلة المفقودة بين صاحبة الجلالة وشركات الاتصالات.. كيف يعيد مقترح الـ 5% التوازن لصناعة الصحافة الرقمية؟ ​

في الاقتصاد الرقمى الجديد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل لم تعد الصحيفة الورقية هى الوعاء الوحيد لنقل الخبر ولم تعد الإعلانات المطبوعة هى شريان الحياة الوحيد للمؤسسات الصحفية مع انتشار الإنترنت وخدمات المحمول انتقلت عين القارئ إلى الشاشة وانتقلت معها ميزانيات الإعلانات وانتقلت أيضاً قيمة المحتوى نفسه.

هنا ظهرت معضلة اقتصادية واضحة المحتوى الصحفى المصرى أصبح أكثر استهلاكاً من أي وقت مضى لكن عوائده تتبخر قبل أن تصل إلى من ينتجه ملايين المصريين يقرأون الأخبار. والتحقيقات. والتقارير. عبر باقات الإنترنت الأرضى والمحمول عبر محركات البحث ومنصات التواصل هذا المحتوى هو منتج صناعة متكاملة. مؤسسات. صحفيين. محررين. مصورين. بنية تحتية وتكاليف تشغيل يومية لكن دورة القيمة الاقتصادية انقطعت عند نقطة الاستهلاك.

المنطق البسيط يقول إن أي منظومة ناجحة تقوم على 3 أطراف. صانع. وموزع. ومستهلك. فى اقتصاد المحتوى الرقمى الصحفى هو الصانع الوحيد هو الذى يخرج من مكتبه يبحث عن المصدر. يحقق. يدقق. يراجع. ويتحمل مسؤولية الكلمة أمام القانون وميثاق الشرف الصحفى. هو الذى يقدم مادة موثقة تليق باسم مصر.

المتلقي يفتح هاتفه ويستهلك هذا المنتج بسهولة وشركات الاتصالات والمنصات توفر القناة وتحصد العائد على الجاهز لكن دون جودة المحتوى الذي يصنعه الصحفى ما قيمة القناة؟ وما الذى سيستهلكه الجمهور؟ البطل الوحيد الذى يمنح هذه المنظومة قيمتها ومعناها هو الصحافة.

وهنا يظهر البُعد الأهم تطوير الصحافة ومساندتها ليس ترفاً مهنياً الصحافة المهنية هى العلاج الفعلى لآفة الشائعات لأنها تعمل وفق 3 قواعد لا تملكها أي صفحة أو منصة المصدر والتحقيق والحقيقة ويقيدها ميثاق شرف يحاسبها على الكلمة عندما نستثمر في تقوية هذا الصانع الأساسى نحن لا ندعمه هو فقط نحن نجذب القارئ من جديد إلى مصدر موثوق ونحارب الشائعة بالحقيقة قبل أن تنتشر نحصن الوعى العام بأداة الدولة الأقوى المعلومة الصحيحة.

النتيجة الطبيعية لانقطاع دورة القيمة كانت أزمة هيكلية المؤسسات الصحفية وفى مقدمتها القومية تواجه مديونيات بمليارات الجنيهات الصحفيون صُناع هذا المحتوى أصبحوا في ذيل قائمة الأجور فى المقابل ارتفعت إيرادات شركات الاتصالات التي تنقل هذا المحتوى بشكل متسارع وفق النتائج المعلنة تجاوزت إيرادات المصرية للاتصالات 82 مليار جنيه في 2024 وقاربت إيرادات فودافون مصر 83 مليار جنيه في السنة المالية 2024/2025.

الأرقام تشير إلى نمو قوى مدفوع بزيادة الاعتماد على البيانات والخدمات الرقمية.

هذه ليست دعوة لمواجهة أحد ولا مطلباً بدعم استثنائي هذه قراءة اقتصادية لواقع فرضته التكنولوجيا في دول كثيرة سبقتنا في هذا الملف تم التعامل مع حقوق المحتوى كحق أصيل ومنطقى الفكرة ببساطة من يستفيد اقتصادياً من نقل واستهلاك المحتوى يشارك في استدامة إنتاجه ليس من باب المنّة بل من باب العدالة في توزيع القيمة.

من هذا المنطلق يطرح الصحفيون مقترحاً عملياً لإنشاء صندوق دعم الصحافة المصرية ونقابة الصحفيين المقترح لا يطلب جنيهاً واحداً من جيب المواطن الفكرة تقوم على تخصيص نسبة محدودة لا تتجاوز 5% من عوائد خدمات الاتصالات مقابل المحتوى الصحفى الذي يتم استهلاكه عبر تلك الباقات إلى جانب ذلك فتح باب التفاوض مع المنصات الدولية ومحركات البحث وبرامج الذكاء الاصطناعي لتحصيل مقابل استخدام المحتوى الصحفى المصرى كمورد آخر للصندوق.

الحسبة بسيطة وغير مرهقة لو تم تخصيص 5% فقط من الزيادة الأخيرة التي أقرتها شركات الاتصالات فالناتج سيكون مورداً سنوياً يقدر بعشرات المليارات من الجنيهات هذا المبلغ لن يذهب لدعم أفراد بل سيوجه لتطوير المؤسسات رقمياً ودعم الصحافة الاستقصائية ورفع كفاءة الصحفيين وتدريبهم. وحماية التعددية الإعلامية بمعنى آخر استثمار فى جودة المحتوى الذي يستهلكه المواطن نفسه.

وهنا تظهر الفائدة المزدوجة للدولة أولاً هذا الصندوق سيقلل بشكل مباشر حجم الدعم الحكومى السنوى الذى تقدمه الدولة للمؤسسات الصحفية القومية لسد عجزها.

ثانياً صحافة قوية ومستدامة هى أحد مقومات الأمن القومى الناعم فى ظروف إقليمية ودولية معقدة يصبح المحتوى المهنى الموثوق حائط صد ضد الشائعات وصوتاً ينقل مشكلات المواطن وعيناً تراقب الأداء العام الصحافة ليست سلعة الصحافة بنية تحتية للوعى.

المقترح تم عرضه مسبقاً على المسؤولين عن ملف الصحافة وزارة الدولة للإعلام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الهيئة الوطنية للصحافة ونقابة الصحفيين واليوم واستجابة لدعوة الرئيس للمشاركة بالأفكار والمقترحات التى تساهم فى حل الأزمات وإعادة صياغة الحقوق يتم طرح هذا الملف مباشرة ليس كطلب معونة بل كعرض لحق واضح المعالم وآلية تحصيل عملية.

الهدف ليس المواجهة مع شركات الاتصالات هذه الشركات شريك أساسى في البنية الرقمية للدولة وحققت نجاحات كبيرة الهدف هو إعادة ضبط ميزان القيمة فى اقتصاد المحتوى.

المواطن يدفع مقابل الباقة والشركة تحصل على عائدها والمحتوى يستهلك مجاناً المقترح يضيف حلقة مفقودة فى هذه المعادلة عائد بسيط يعود على من صنع المحتوى ليستمر فى إنتاجه بجودة أعلى.

في النهاية الأزمة الاقتصادية للصحافة ليست أزمة الصحفيين وحدهم هي أزمة مجتمع بالكامل يفقد تدريجياً صوته المهنى. والحل ليس في الاستجداء الحل فى هندسة اقتصادية عادلة تواكب العصر الرقمى 5% فقط دون عبء جديد كفيلة بأن تعيد الحياة لمهنة وتوفر على خزينة الدولة مليارات وتحصن الوعى العام فى وقت نحن فى أمس الحاجة إليه.

هذا مقترح على الطاولة دراسة تفاصيله ومناقشته مع كل الأطراف قد تكون خطوة مهمة نحو صحافة أقوى ودولة أكثر استدامة ومواطن يجد محتوى يليق به.
وللحديث بقية

ابراهيم العمدة يكتب : المعادلة المفقودة بين صاحبة الجلالة وشركات الاتصالات.. كيف يعيد مقترح الـ 5% التوازن لصناعة الصحافة الرقمية؟

Exit mobile version