Site icon بوابة العمال

د. محمد حسن يكتب : بين السحر والواقع.. محطات خالدة في تاريخ السينما

السينما العالمية و السينما المصرية خطوات متلاحقة، السينما من اختراعٍ يُدهش العالم إلى لغةٍ عالمية تروي حكايات الإنسان
منذ أن أُطفئت الأنوار في إحدى القاعات الفرنسية عام 1895 ليشاهد الجمهور أول عرض سينمائي، لم تعد السينما مجرد اختراع تقني، بل أصبحت أحد أهم أشكال التعبير الفني والثقافي في التاريخ الحديث. وخلال أكثر من قرن، تحولت الشاشة الفضية إلى مساحة تجمع كل الفنون التي سبقت الفن السابع ، وأصبحت الأفلام مرآةً تعكس تحولات المجتمعات وتوثق أحلام الإنسان ومخاوفه. و تسعي للدخول إلي عوالم النفس البشرية

جبدأت رحلة السينما مع الأخوين الفرنسيين أوغست ولويس لوميير اللذين قدّما أول عرض عام للأفلام المتحركة في باريس. وكانت تلك الأفلام قصيرة وبسيطة، مثل فيلم خروج العمال من مصنع لوميير وفيلم وصول القطار إلى محطة لا سيوتا، إلا أنها أثارت دهشة المشاهدين وأعلنت ولادة فن جديد سيغيّر العالم.

وفي السنوات اللاحقة، انتقلت السينما من مجرد تسجيل الواقع إلى صناعة الخيال. فقد أدرك المخرج الفرنسي جورج ميلييس أن الكاميرا تستطيع أن تصنع السحر، فقدم فيلم “رحلة إلى القمر” (1902) الذي يُعد من أوائل أفلام الخيال العلمي، مستخدمًا مؤثرات بصرية مبتكرة سبقت عصرها، ومثبتًا أن السينما قادرة على خلق عوالم لا وجود لها إلا في مخيلة الإنسان.

شهدت السينما بعد ذلك تطورًا متسارعًا، فانتقلت من الأفلام الصامتة إلى الأفلام الناطقة مع فيلم مغني الجاز(1927) وهو الحدث الذي غيّر صناعة السينما جذريًا. ثم دخلت مرحلة الأفلام الملونة، قبل أن تشهد ثورات تقنية متتالية في التصوير والمؤثرات البصرية والصوتية، وصولًا إلى تقنيات التصوير الرقمي والرسوم الحاسوبية التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في صناعة الأفلام الحديثة.

ولم يكن التطور تقنيًا فحسب، بل كان فنيًا أيضًا. فقد قدّم تشارلي شابلن في أفلام مثل الأزمنة الحديثة والديكتاتور العظيم نموذجًا للسينما التي تمزج بين الكوميديا والنقد الاجتماعي والسياسي. كما رسّخ المخرج ألفريد هيتشكوك مفهوم التشويق النفسي في أعمال مثل سايكو و”فيرتيغو” بينما أعاد فرنسيس فورد كوبولا تعريف أفلام الجريمة من خلال العراب”، الذي يُعد من أعظم الأفلام في تاريخ السينما.

وفي العقود الأخيرة، أصبحت السينما أكثر انفتاحًا على القضايا الإنسانية والعلمية والفلسفية. فقد ناقش فيلم قائمة شندلر”مأساة المحرقة الإنسانية، بينما طرح “إنترستيلار” أسئلة عميقة حول الزمن والعلم والعائلة، وقدم “باراسايت”نقدًا لاذعًا للفوارق الطبقية، ليصبح أول فيلم غير ناطق بالإنجليزية يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم.

أما السينما العربية، فقد بدأت خطواتها الأولى في أوائل القرن العشرين، وبرزت مصر بوصفها مركزًا رئيسيًا للإنتاج السينمائي العربي، حتى لُقبت بـ”هوليوود الشرق”. وقدمت أعمالًا خالدة مثل “باب الحديد”للمخرج يوسف شاهين، الذي تناول قضايا اجتماعية ونفسية بطرح سينمائي متقدم، وفيلم “الأرض” الذي عكس معاناة الفلاح المصري وصراعه من أجل العدالة، إضافة إلى أفلام تركت أثرًا كبيرًا في الوجدان العربي مثل الحرام”والبداية”والمومياء،و جمعت بين الترفيه والنقد الاجتماعي.

واليوم، تعيش السينما مرحلة جديدة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والكاميرات الرقمية فائقة الدقة، ومنصات البث العالمية، التي أتاحت للأفلام الوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى دور العرض التقليدية. كما أصبحت الأفلام المستقلة تحظى بفرصة أكبر للوصول إلى المشاهدين والمنافسة في المهرجانات الدولية.

ورغم كل هذا التطور، يبقى جوهر السينما ثابتًا؛ فهي فن الحكاية. فالفيلم الناجح ليس مجرد مؤثرات بصرية أو ميزانية ضخمة، بل قصة قادرة على ملامسة الإنسان أينما كان. ولهذا ظلت السينما، منذ أكثر من مئة وثلاثين عامًا، لغة عالمية تتجاوز الحدود واللغات، وتحمل في كل مشهد رسالة، وفي كل لقطة ذاكرة، وفي كل فيلم محاولة جديدة لفهم الإنسان والعالم.

إن مستقبل السينما يبدو أكثر اتساعًا من أي وقت مضى، لكن قيمتها الحقيقية ستظل مرتبطة بقدرتها على التعبير عن الإنسان، والدفاع عن قضاياه، وإلهام الأجيال القادمة. فطالما وُجدت قصة تستحق أن تُروى، ستبقى السينما حاضرة، تنبض بالحياة، وتواصل كتابة تاريخها على الشاشة الكبيرة


د. محمد حسن يكتب : بين السحر والواقع.. محطات خالدة في تاريخ السينما

.

Exit mobile version