Site icon بوابة العمال

عائشة عبدالهادي تطرح رؤيتها لتعزيز الصناعة الوطنية وحماية العمال ضمن وثيقة سياسة ملكية الدولة

 

كتبت _ نجوى ابراهيم

قدمت عائشة عبدالهادي وزيرة القوي العاملة والهجرة الاسبق، رؤيتها بشأن وثيقة سياسة ملكية الدولة (الإصدار الثاني 2026–2030)، تلبية لدعوة منصة حوار في المشاركة، وذلك ضمن الرؤى التي يطرحها أعضاء لجنة الخبراء حول الوثيقة، تمهيدًا لمناقشتها، في إطار أعمال لجنة خبراء( منصة حوار) بمركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، مؤكدة أن الوثيقة تمثل خطوة مهمة في مسار الإصلاح الاقتصادي، إلا أنها تحتاج إلى مزيد من التوازن بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والإنتاجي، بما يعزز دور الصناعة الوطنية وقطاع الأعمال العام، ويضع العنصر البشري في قلب عملية التنمية.

وأكدت عائشة عبدالهادي أن الوثيقة تمثل إحدى أهم الوثائق الاقتصادية التي طرحتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، إذ تستهدف إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وتحديد المجالات التي تستمر فيها الدولة وتلك التي تتيح فيها مساحة أكبر للاستثمار الخاص، بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الأصول العامة وتعظيم العائد الاقتصادي منها.

وأوضحت أن الوثيقة تتضمن العديد من الجوانب الإيجابية، وفي مقدمتها وضع رؤية أكثر وضوحًا لدور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية، والفصل بين الملكية والإدارة، وتحسين كفاءة الشركات، إلى جانب تنويع أدوات الشراكة مع القطاع الخاص وعدم قصرها على البيع أو التخارج، وإنما التوسع في الشراكات وزيادة رؤوس الأموال والطرح في البورصة، وهي جميعها توجهات تعكس رغبة في بناء اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على جذب الاستثمار.

وأضافت أن قرائتها للوثيقة من منظور يؤمن بأن الصناعة الوطنية تمثل إحدى ركائز الأمن القومي، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي اقتصاد، تكشف عن مجموعة من الملاحظات التي تستحق الدراسة، وفي مقدمتها أن الوثيقة أولت اهتمامًا واسعًا بالأصول والاستثمارات والتخارج والحوكمة وتعظيم العائد الاقتصادي، بينما لم يحظ العنصر البشري بالمساحة نفسها، رغم أنه يمثل المحرك الحقيقي لهذه الأصول.

وقالت إن الآلات لا تنتج وحدها، والمصانع لا تحقق قيمتها الاقتصادية إلا بعقول وسواعد العمال الذين يديرونها ويطورونها ويحافظون عليها، وكان من المتوقع أن تتضمن الوثيقة رؤية متكاملة لتنمية رأس المال البشري، باعتباره أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأصول المادية.

وأشارت إلى أن من أبرز الملاحظات على الوثيقة أن الحديث الأكثر وضوحًا عن العمالة جاء في سياق إعداد قاعدة بيانات للعاملين، وحصر العمالة الفائضة، ووضع آليات للتعامل معها، مع التأكيد على عدم تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية نتيجة ذلك، لافتة إلى أنه رغم أهمية معالجة أي اختلالات داخل الشركات، فإن المشكلة لا تكمن في المبدأ، وإنما في زاوية المعالجة.

وأوضحت أن الوثيقة لم تمنح الاهتمام نفسه للحديث عن الحفاظ على العمالة الماهرة، أو تطوير المهارات، أو الاستثمار في الخبرات المتراكمة، أو رفع كفاءة العنصر البشري، وهو ما قد يترك انطباعًا بأن العامل يُنظر إليه باعتباره عبئًا ماليًا أكثر من كونه قيمة إنتاجية واستثمارًا طويل الأجل.

وأكدت أن الوثيقة توسعت في الحديث عن إعادة الهيكلة والتخارج، لكنها لم تضع تصورًا متكاملًا لحماية العاملين خلال هذه التحولات، فلم تتناول بصورة واضحة برامج إعادة التدريب والتأهيل، أو إعادة توزيع العمالة، أو الضمانات الاجتماعية، أو آليات إشراك التنظيمات النقابية في إدارة آثار إعادة الهيكلة، وهي جميعها عناصر أصبحت جزءًا أساسيًا من مفهوم الانتقال العادل الذي تتبناه السياسات الاقتصادية الحديثة.

وأضافت أن الصناعة الوطنية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أصول مالية، لأن دورها يتجاوز الحسابات الاقتصادية الضيقة، فهي تمثل قاعدة للإنتاج، وأداة لتوطين التكنولوجيا، ووسيلة لتوفير فرص العمل، وضمانًا لاستمرار سلاسل الإمداد، وخط دفاع اقتصادي للدولة وقت الأزمات، ومن ثم فإن تقييم الشركات لا ينبغي أن يستند إلى الربحية وحدها، وإنما إلى قيمتها الاستراتيجية ودورها في حماية الأمن الاقتصادي والصناعي للدولة.

وشددت عائشة عبدالهادي على أن من القضايا التي كان ينبغي أن تحظى بحضور أكثر وضوحًا في الوثيقة إعادة تعريف الدور الاستراتيجي لقطاع الأعمال العام، مؤكدة أن هذا القطاع لا يمثل مجرد شركات مملوكة للدولة أو أصولًا اقتصادية يُقاس مستقبلها بمعايير الربحية والعائد المالي فقط، وإنما يمثل إحدى الركائز الأساسية للدولة المصرية، وأحد أدواتها لتحقيق التنمية، وتعزيز الأمن الاقتصادي، والحفاظ على القدرات الإنتاجية الوطنية.

وقالت إن قطاع الأعمال العام لم يكن عبر تاريخه مجرد منتج للسلع والخدمات، بل كان شريكًا رئيسيًا في بناء القاعدة الصناعية المصرية، وتوطين العديد من الصناعات الاستراتيجية، وتوفير فرص العمل، وإعداد الكوادر الفنية، والحفاظ على الخبرات الصناعية المتراكمة، فضلًا عن دوره في تحقيق التوازن داخل الأسواق، والتدخل وقت الأزمات لحماية الاقتصاد الوطني وتأمين احتياجات الدولة.

وأضافت أن مستقبل قطاع الأعمال العام لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية التخارج أو تعظيم العائد المالي، وإنما من منظور أشمل يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والدور الوطني الذي يؤديه هذا القطاع، موضحة أن القضية ليست حجم ما تمتلكه الدولة من شركات، وإنما نوعية الشركات التي تحتاج إليها الدولة للحفاظ على أمنها الاقتصادي والصناعي، وقدرتها على إدارة الأزمات، وتحقيق التنمية المستدامة.

وأكدت أن تعظيم دور قطاع الأعمال العام لا يتعارض مع تعزيز دور القطاع الخاص، بل إن الاقتصاد القوي يقوم على التكامل بين القطاعين، بحيث يقود القطاع الخاص الاستثمار والتوسع والابتكار، بينما يحتفظ قطاع الأعمال العام بدوره في الصناعات والأنشطة الاستراتيجية التي تمثل أهمية للأمن القومي والتنمية الشاملة.

واعتبرت أن ملف قطاع الأعمال العام يحتاج إلى قراءة مختلفة، لا تنطلق من سؤال: ما الذي يمكن للدولة أن تتخارج منه؟، وإنما من سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن تعظيم دور هذا القطاع وزيادة كفاءته وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني؟ مؤكدة أن التطوير الحقيقي لا يعني الانكماش، وإنما يعني تحديث الإدارة، ورفع الكفاءة، وتوطين التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي، وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي معًا.

واكدت على أن الوثيقة تعاملت، في كثير من مواضعها، مع قطاع الأعمال العام باعتباره «محفظة أصول» تستهدف تعظيم العائد منها، بينما ينظر الفكر الاقتصادي التنموي إلى هذا القطاع باعتباره أداة من أدوات السياسة الاقتصادية للدولة، موضحة أن الدولة لا تحتفظ ببعض الشركات لتحقيق أرباح فقط، وإنما لتوجيه التنمية، وحماية الصناعات الاستراتيجية، وضبط الأسواق عند الحاجة، وتأمين احتياجات المواطنين وقت الأزمات، والحفاظ على الخبرات الوطنية التي يصعب تعويضها.

وأشارت  عائشة عبدالهادي إلى  أن الوثيقة، رغم اهتمامها بتعزيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، كان من الممكن أن تمنح مساحة أكبر للمصريين في الخارج، باعتبارهم أحد أهم الشركاء في تحقيق التنمية الاقتصادية، فهم لا يمثلون فقط مصدرًا مهمًا للتحويلات النقدية، وإنما يمتلكون خبرات تراكمية ورؤوس أموال وعلاقات اقتصادية دولية يمكن أن تسهم في دعم الصناعة الوطنية وتعزيز الاستثمار والإنتاج.

وأوضحت أن تعظيم مساهمة المصريين في الخارج يتطلب تضمين رؤية واضحة داخل الوثيقة تستهدف تيسير الإجراءات أمامهم، وتبسيط مسارات تأسيس المشروعات، وإزالة المعوقات البيروقراطية، وتقنين أوضاع استثماراتهم، بما يضمن استقرارها ويعزز ثقتهم في مناخ الاستثمار المصري.

وأضافت أن توفير الأمان الاقتصادي للمستثمر المصري في الخارج لا يقل أهمية عن تقديم الحوافز الاستثمارية، فاستقرار التشريعات، ووضوح السياسات، وسرعة الإجراءات، وضمان حماية الاستثمارات، جميعها عوامل تشجع أبناء مصر في الخارج على ضخ مزيد من الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، وتدفعهم إلى نقل خبراتهم وتجاربهم إلى الداخل.

وشددت على أن إشراك المصريين في الخارج بصورة أكثر فاعلية في تنفيذ مستهدفات وثيقة سياسة ملكية الدولة سيعزز من قدرتها على تحقيق أهدافها، خاصة أن الاستثمار الوطني طويل الأجل يمثل أحد أهم ركائز التنمية المستدامة، ويسهم في دعم الصناعة الوطنية، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وأكدت أن المصريين في الخارج يجب أن ينظر إليهم باعتبارهم شركاء في بناء الاقتصاد الوطني، وليسوا مجرد مصدر للتحويلات المالية، وهو ما يستوجب أن تتضمن الوثيقة سياسات وآليات أكثر وضوحًا لتحفيز استثماراتهم، وتعزيز شعورهم بالأمان الاقتصادي، وترسيخ ثقتهم في بيئة الاستثمار المصرية.

وأكدت أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تمثل خطوة مهمة في تطوير إدارة أصول الدولة، لكنها تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن بين الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، لأن نجاح أي سياسة للملكية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو العائد المالي، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على الصناعة الوطنية، وصون قطاع الأعمال العام باعتباره ركيزة للدولة، والاستثمار في العامل باعتباره رأس المال الحقيقي للإنتاج، مشددة على أن الإنسان ليس آخر عناصر العملية الاقتصادية، بل هو بدايتها ونهايتها، وأن قطاع الأعمال العام ليس مجرد محفظة أصول، بل أحد أدوات الدولة لتحقيق التنمية وحماية أمنها الاقتصادي، بما يضمن بناء اقتصاد وطني قوي قادر على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة.

Exit mobile version