السيادة الرقمية العربية قضية استراتيجية لحماية الأمن القومي والاقتصادي
التعاون وبناء القدرات وتأهيل الكوادر وتشجيع الابتكار والتقنيات المحلية استحقاقات يفرضها الواقع العربي والدولي
◊الدكتور أحمد درويش يدعو إلى بناء نماذج وطنية عربية للذكاء الاصطناعي
◊امتلاك القدرة الوطنية بوابة بناء مجتمع رقمي عربي يتعامل مع تقنيات العصر الحيوية
◊خبراء يدعون إلى حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات لحماية واستمرارية الخدمات
◊مطالب بتفعيل الإنذار المبكر وتحليل التهديدات وتطوير مهارات العاملين وتبادل الخبرات
◊وزير الاتصالات : السيادة الرقمية ومراكز البيانات والاستعداد للتقنيات المستقبلية ركائز الأمن السيبراني
كتب عاطف عبد الستار
بناء سيادة رقمية عربية حقيقية أصبح استحقاقًا استراتيجيًا تفرضه طبيعة العصر والتحولات الدولية المتسارعة مما يتطلب تأسيس بنية تحتية رقمية عربية متكاملة تقلل الاعتماد على الخارج وتحافظ على المصالح الوطنية بما يعزز حماية البيانات والأمن السيبراني.
قضية السيادة الرقمية العربية لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت معركة مصيرية في ظل التحولات الرقمية التي جعلت البيانات والمعلومات أحد أهم عناصر القوة الوطنية، وأعادت تشكيل مفاهيم الأمن القومي والسيادة ذلك أن الثورة الرقمية فرضت واقعًا جديدًا لم تعد فيه السيادة مقتصرة على الحدود الجغرافية، بل امتدت إلى الفضاء السيبراني وقوة البنية التحتية الرقمية والقدرة على إدارة البيانات والتقنيات الحديثة بصورة مستقلة وآمنة.
حماية الخصوصية الوطنية والأمن السيبراني باتت من الركائز الأساسية لاستقرار الدول وحماية مصالح الشعوب دون الانعزال عن العالم أو تقييد الابتكار، وإنما امتلاك القدرة الوطنية على إدارة البيانات والبنية التحتية الرقمية والتقنيات الحيوية بما يحقق التوازن بين الانفتاح الرقمي ومتطلبات الأمن والاستقرار.
أصبحت البيانات والخوارزميات عناصر محورية في معادلة القوة والتنمية والاستقرار. ويبرز الأمن السيبراني باعتباره ركيزة أساسية للسيادة الرقمية، وأحد أهم مقومات بناء الثقة الرقمية في الدول والمجتمعات يستلزم مستويات عالية من الحماية لضمان سلامة المعاملات الرقمية والاستثمار في بناء القدرات البشرية الرقمية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وتطوير نماذج الحكومة الرقمية الاستباقية.
أكد خبراء الأمن السيبراني وتقنيات الذكاء الاصطناعي أن التحديات والمخاطر يفرضان إعادة ضبط وتنظيم مسؤوليات الأمن السيبراني الاصطناعي وأهمية تبني نهج متوازن يجمع بين الاستفادة من القدرات المتنامية للذكاء الاصطناعي وضمان حماية البيانات والأنظمة المؤسسية، في ظل التوسع المتسارع في استخدام الوكلاء الأذكياء (AI Agents) بمختلف القطاعات.
واتفق الخبراء على أن نجاح المؤسسات في تبني الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الإمكانات التقنية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة للحوكمة وإدارة الهوية والصلاحيات وحماية البيانات، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنيات مع الحد من المخاطر المصاحبة لها.
وأكدوا أهمية تطوير مهارات العاملين في المجال الأمني لفهم طبيعة الأنظمة والقطاعات التي يتم حمايتها، وتعزيز تبادل الخبرات بين القطاعات المختلفة، خاصة في ظل تشابه أنماط الهجمات، مشيرين إلى أن تطور الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور مهندسي الأمن السيبراني، بل سيعزز قدراتهم ويدعمهم في مواجهة الهجمات المعقدة التي يصعب التعامل معها يدوياً.
مفهوم السيادة الرقمية المرنة
قال الدكتور محمد حمدي، خبير الأمن السيبراني AICTO، أن الثورة الرقمية تفرض إعادة صياغة جديدة للسيادة. فبينما تطرح الصين نموذج السيادة الصلبة، وأوروبا السيادة الفردية، والولايات المتحدة الأمريكية سيادة السوق، يظل العالم العربي في موقع ضعيف.
وعربياً، تجد الدول العربية نفسها في محل اختيار بين الاعتماد على التقنيات الصينية أو الأمريكية في سبيل تطوير بنيتها الرقمية، في ظل عدم امتلاك أغلب الدول العربية البنية التحتية الملائمة لتطوير هذه التقنيات محلياً، بجانب افتقارها للمواهب والخبرات الفنية اللازمة لتدريب البرمجيات، ويضع هذا الدول العربية في موقف غير قوي.
وذكر أنه من هنا تنبع الحاجة إلى تبني اتجاه جديد في السيادة الرقمية العربية يوازن بين الاحتياجات المحلية والاعتماد على التقنيات الرقمية الخارجية، بما يكفل للدول والمجتمعات والأفراد القدرة على حماية مصالحهم وأمنهم، على أن يُبنى هذا الاتجاه على مفهوم السيادة الرقمية المرنة، والتي يُمكن وصفها بأنها عملية متحركة تتطور بمرور الوقت، تتسم بالانفتاح على التعديل وإعادة الضبط، وتهدف إلى ضمان الوصول إلى خيارات رقمية متنوعة أمام المجتمعات العربية، بغرض القضاء على الهشاشة الرقمية وإن الامتثال والمرونة يأتيان في صدارة أولويات الحماية الرقمية، من خلال الالتزام بالمعايير القياسية العالمية للأمن السيبراني، مع ضرورة اليقظة المستمرة تجاه أي مخاطر محتملة داخل المنظومة الرقمية
وأشار الدكتور محمد حمدي إلى أن الأمن السيبراني والسيادة الرقمية ركيزتين أساسيتين للأمن القومي للدول؛ حيث يُعنى الأمن السيبراني بحماية البنية التحتية والشبكات والمعلومات من التهديدات الرقمية، بينما تضمن السيادة الرقمية قدرة الدولة على التحكم في بياناتها وتطويع التكنولوجيا وفقاً لقوانينها واستقلالها عن الكيانات الأجنبية.
الأمن السيبراني هو ممارسة حماية الأنظمة الحاسوبية، والشبكات، والبيانات الرقمية من الاختراقات، والهجمات، والوصول غير المصرح به. يهدف هذا المجال إلى تأمين البنية التحتية، ومنع سرقة أو تلف المعلومات، وضمان استمرار عمل الخدمات الرقمية للأفراد بكل المجالات والقطاعات.
بناء نماذج وطنية للذكاء الاصطناعي
يقول الدكتور أحمد درويش، وزير التنمية الإدارية الأسبق والأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة أن السيادة الرقمية Digital Sovereignty : تُعرّف بأنها القدرة على التحكم في البنية التحتية الرقمية، والبيانات، والأنظمة التكنولوجية داخل حدود الدولة، مع ضمان الامتثال للمعايير الأخلاقية والقانونية المحلية، هذا المفهوم يتجاوز فكرة السيطرة الجغرافية التقليدية، ليشمل السيطرة على الفضاء الرقمي الذي يشكل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين حيث أن مكانة السيادة الرقمية اليوم تتساوى أهمية مع السيادة العسكرية.
ودعا الدكتور أحمد درويش إلى أهمية بناء نماذج وطنية للذكاء الاصطناعي تُصمَّم وتُدرَّب على بيانات محلية تعكس خصوصية البيئة المصرية، بدلًا من الاعتماد الكامل على النماذج الأجنبية مثل Chat GPT وGemini وDeep Seek.
وأوضح أن معظم النماذج العالمية تحمل قدرًا من التحيز المعرفي والثقافي لأنها تعتمد على بيانات تم جمعها في بيئات مختلفة، مشيرًا إلى أن الدول النامية بحاجة إلى تطوير نماذج أصغر موجهة لمشكلات محددة يمكن تدريبها محلياً بموارد محدودة، لتكون أكثر فاعلية في دعم متخذي القرار داخل المؤسسات الحكومية.
كما أكد أن تبنّي مثل هذه النماذج سيسهم في رفع كفاءة العمل الحكومي وتمكين الكوادر الوطنية من التعامل بفعالية مع التقنيات الحديثة.
وذكر الدكتور أحمد درويش أن السيادة الرقمية تعزز قدرة الأمة العربية على التصرف بشكل مستقل في الفضاء الرقمي، و تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي وعدم السماح لأي جهة لابتزاز الدول العربية. وبناء عليه آن الأوان للعرب أن يعملوا معا على استراتيجية موحدة تعزز السيادة الرقمية وتؤمن مستقبلًا رقميًا مزدهرًا للأجيال القادمة. وتدرك أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية ضروة حياة ووجود ومستقبل لأن البيانات أصبحت هي “نفط” القرن الحادي والعشرين مع تسريع توطين الكفاءات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتداول العملات الرقمية و تبادل المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات السيبرانية.
ودعا الدكتور أحمد درويش إلى إقرار رؤية مشتركة تكاملية يضعها مجلس وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات العرب ويعتمدها القادة فى قمة عربية تضع السيادة الرقمية في صميم التخطيط الاستراتيجي، مع التأكيد على التعاون الإقليمي والاستفادة من الخبرات المشتركة وتوحيد الجهود بين الحكومات العربية، القطاع الخاص، المؤسسات التعليمية، والمجتمع المدني وأجهزة الاتصالات والأمن السيبراني. وتشمل تشجيع البحث والتطوير و الابتكار والتقنيات المحلية في القطاعات التكنولوجية ودعم المشاريع الرقمية المحلية لتقليل الاعتماد على الحلول الأجنبية وتعزيز الاقتصاد الرقمي العربي، إطلاق برامج تعليمية وتدريبية لتطوير المهارات الرقمية للشباب العربي لإعدادهم للمستقبل الرقمي وضمان مشاركتهم الفعالة في الاقتصاد الرقمي. مع التقدم التكنولوجي المتسارع، ستبقى السيادة الرقمية تحديًا متجددًا، لكنها أيضًا فرصة لبناء مستقبل أكثر أمانًا وعدالة.
وتابع الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة قائلا: يخضع الفضاء الرقمي لقوانين الجغرافيا السياسية ويجب إصدار قوانين حماية البيانات الشخصية لفرض قيوداً صارمة على معالجة البيانات ونقلها خارج الدولة وإلزام الشركات بحفظ البيانات الحساسة داخل الحدود الجغرافية للدولة، مما أجبر عمالقة التكنولوجيا مثل مايكروسوفت وأوراكل على افتتاح مراكز بيانات إقليمية داخل السعودية للامتثال للقانون.
لا يمكن لأي دولة عربية بمفردها، مهما بلغت ثروتها، أن تقف في وجه عمالقة التكنولوجيا العالميين بمفردها لتفرض سيادتها الكاملة. الحل يكمن في التعاون الإقليمي والتكامل العربي لبناء سوق رقمية عربية موحدة. و توحيد القوانين السيبرانية، بناء مراكز بيانات إقليمية مشتركة، وإطلاق مشاريع أبحاث مشتركة في مجال الذكاء الاصطناعي وتوطين التكنولوجيا. عندما تتفاوض كتلة اقتصادية ورقمية كبرى كالاتحاد الأوروبي مثلاً، فإنها تفرض شروطها على الشركات العالمية، وهو ما نحتاجه في العالم العربي
وأكد الدكتور أحمد درويش الاستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة أن امتلاك “البيانات الضخمة” وتحليلها عبر نماذج لغوية وطنية مثل مشروع “فنار” القطري أو “جيس” الإماراتي أصبح الضمانة الوحيدة لحماية الأمن القومي والاقتصادي. ويسهم بناء حل متكامل للبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في منح المؤسسات والحكومات ملكية كاملة وتحكماً شاملاً في قدراتها المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي عنصراً محورياً في القوة الاقتصادية والوطنية، لم تعد البنية التحتية مجرد تفصيل تقني، بل أصبحت متطلباً استراتيجياً لتحقيق السيادة التي لا تُقاس بمجرد الوصول إلى التقنيات، بل بالقدرة على تصميم البنية التحتية وبنائها وتشغيلها كنظام متكامل تمامًا. وتوطين البيانات عربيا يعني أن القرارات الاقتصادية الكبرى تتخذ بناء على خوارزميات تفهم الخصوصية الثقافية واللغوية للمنطقة، بعيدا عن الانحيازات الموجودة في النماذج الأجنبية.

7 قطاعات تتطلب أعلى مستويات الحماية
أكدت غادة الشمري، كبير مسؤولي أمن المعلومات في البنك المركزي السعودي (ساما)، أن الالتزام بالمعايير والمواصفات الدولية يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن السيبراني، لا سيما في قطاعات المال والأعمال والطاقة والبترول والصناعة والتعليم والصحة، التي تتطلب أعلى مستويات الحماية والامتثال لضمان استقرار الخدمات وثقة المتعاملين.
وقالت أن تصميم أنظمة حماية قادرة على الاستمرار والتعافي السريع عند التعرض للهجمات أو الأعطال يجب أن يبدأ منذ المراحل الأولى للمشروعات لضمان استمرارية الإنتاج وحماية البنية التحتية الحيوية، مشيرة إلى أن الأمن السيبراني لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الابتكار وبناء منظومات رقمية أكثر أمناً واستدامة، مؤكدة أهمية الاستثمار في التعليم والتدريب والتشريعات الداعمة لتطوير الأمن السيبراني بالمنطقة.
وشددت كبير مسؤولي أمن المعلومات في البنك المركزي السعودي على أهمية تطبيق حوكمة متكاملة لتكنولوجيا المعلومات وإنترنت الأشياء، إلى جانب بناء قدرات بشرية قادرة على التعامل مع التهديدات المتطورة، مؤكدة أن العنصر البشري يظل العامل الأكثر تأثيراً في نجاح منظومات الأمن السيبراني.
وذكرت أن التكنولوجيا والعنصر البشري والعمليات الأمنية تمثل الركائز الثلاث الأساسية لمواجهة التحديات الرقمية، وأن المؤسسات تحتاج إلى مراقبة مستمرة لمختلف مراحل العمل والخدمات الرقمية من أجل تعزيز قدرتها على الاستجابة الفعالة للمخاطر. وأكد أهمية نشر الوعي الأمني بين الموظفين، باعتبارهم خط الدفاع الأول، إلى جانب تطوير قدرات الاستجابة السريعة للحوادث.
لفتت إلى أن استمرارية الأعمال وحماية الأصول الرقمية في ظل التزايد المستمر للهجمات السيبرانية وتعقيداتها يمثل تحدياً كبيراً ومستمرا خاصة أن الذكاء الاصطناعي بات يعيد رسم ملامح معادلة الهجوم والدفاع السيبراني، في ظل اعتماد المهاجمين بشكل متزايد على التقنيات الذكية لتسريع عمليات الاستهداف واكتشاف الثغرات، وهو ما يفرض على المؤسسات تطوير منظوماتها الدفاعية بالسرعة نفسها عبر التحليل السلوكي، استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة في عمليات الكشف والاستجابة، بهدف تقليل الاعتماد على التدخل البشري وتسريع دورة الحماية الأمنية بالكامل وفق مفهوم Autonomous Defense باعتباره المرحلة الأكثر تقدماً في تطور الأمن السيبراني، حيث تتمكن الأنظمة من تنفيذ عمليات الكشف والتحليل والاستجابة بشكل مؤتمت بالكامل، مع تقليل التدخل البشري إلى الحد الأدنى
وشددت على أن الأمن الرقمي يشهد تطوراً مستمراً كجزء من الأمن القومي، مع تزايد الاعتماد على التحول الرقمي لحماية البنية التحتية القومية وتقديم حلول مبتكرة لحماية الخدمات الرقمية للمواطنين والقطاع المالي في ظل التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية، وأهمية وجود ضمانات قوية لحماية المعلومات والمعاملات، مع تطبيق الحماية الاستباقية الكاملة ضد أي هجمات محتملة.

مركز العمليات التنبؤي واستباق الهجمات السيبرانية
وقال الدكتور أحمد أبو غزالة رئيس إدارة أمن المعلومات بالبنك العربي الأفريقي الدولي أنه يجب التمييز بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، وتحديد الصلاحيات الممنوحة للوصول إلى البيانات واستخدامها في مهام محددة واختبار سلوكيات التطبيقات بشكل مستمر لضمان تداول البيانات بصورة آمنة ولمنع التجسس وإساءة الاستخدام والاختراقات والاستغلال الخبيث للمعلومات والتحليلات والتوقعات.
فعالية الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني تعتمد بشكل أساسي على البيانات الضخمة، التي تمكّنه من التنبؤ بالهجمات وأساليب تنفيذها.
وأكد أن التحدي الحقيقي داخل المؤسسات، هو تحديد متى يتم الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ومتى يتدخل العنصر البشري عبر فرق الحماية، مع أهمية الدمج بينهما
ولتحقيق أفضل نتائج الحماية يحب توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم الأمن السيبراني، عبر تحليل سلوك المستخدمين واكتشاف الأنماط غير الطبيعية والتعامل معها بشكل استباقي، مع بقاء القرار النهائي بيد العنصر البشري.
وشدد على أهمية أن تدرك مجالس إدارات الشركات حجم المخاطر السيبرانية وتكلفتها، بما يضمن توجيه الاستثمارات بالشكل الصحيح لتقليل الخسائر المحتملة مؤكدا أن حماية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت ثقافة تشغيلية متكاملة تعتمد على فهم سياق البيانات وآليات التحكم فيها وإن من الضروري تطوير فهم العاملين في الأمن السيبراني لطبيعة الهجمات الحديثة، وتعزيز التعاون بين فرق الذكاء الاصطناعي وفرق الأمن السيبراني داخل المؤسسات، لمتابعة وتأمين وحماية العمليات الداخلية والخارجية.
وذكر أن التكنولوجيا الرقمية أصبحت واقعاً أساسياً في بنية الاقتصادات الحديثة، والبيانات باتت العنصر الأهم في إنتاج القيمة الاقتصادية ودعم اتخاذ القرار، الأمر الذي يجعل من السيادة الرقمية والأمن الرقمي قضية تتجاوز حماية الشبكات لتشمل حماية الاقتصاد واستمرارية الخدمات مشيرا إلى أن
السيادة الرقمية للدول العربية لا تقل أهمية عن السيادة على الأراضي والأجواء، الأمر الذي يستوجب مواكبة جميع التطورات المتسارعة في مجالي الأمن السيبراني وأمن المعلومات
تأمين الحوسبة السحابية
قال جمال ثابت، مدير أمن المعلومات بشركة eFinance، إن الحوسبة السحابية تمثل تطوراً طبيعياً في مسار التكنولوجيا، وقد حققت نجاحات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، إلا أن هذا النموذج أفرز تحديات مهمة، أبرزها تحديد المسؤوليات بين مزودي الخدمة من جهة، والجهات المستفيدة من جهة أخرى. وأكد أن وضوح الصلاحيات وتحديد المسؤوليات يعد أمراً ضرورياً عند الاعتماد على الحوسبة السحابية، لا سيما في التطبيقات المرتبطة بالأمن السيبراني.
وأشار إلى أن الأمن السيبراني يعكس مستوى نضج الدول والمؤسسات وقدرتها على الحماية والاستجابة، مؤكداً ضرورة وضع خطة عمل متكاملة تشمل الجوانب التقنية والتشغيلية داخل المؤسسة، إلى جانب العنصر البشري. وأضاف أنه لا يوجد نظام محصّن بنسبة 100%، ما يجعل الأمن السيبراني عملية مستمرة تتطلب التطوير والتحديث الدائمين.
ولفت إلى أن مجال الذكاء الاصطناعي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الجهود التشريعية والتنظيمية لضبط استخداماته. وشدد على أهمية تكثيف الجهود المحلية والدولية لوضع أطر واضحة تحدد المسؤوليات وتنظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأكد أهمية تحقيق التوازن بين تقديم خدمات رقمية متكاملة وموثوقة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على أعلى مستويات الأمان والحماية.
الوعي المجتمعي وحماية الأصول الرقمية
من جانبه، حذر أحمد عبد الفتاح، عضو المجموعة الاستشارية للاتحاد الأفريقي للذكاء الاصطناعي، من اتساع الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وقدرة التشريعات والجهات التنظيمية على مواكبتها، مؤكداً أن مخاطر التزييف العميق تتجاوز نشر الأخبار المضللة لتصل إلى جرائم الاحتيال وانتحال الهوية والتلاعب بالمحتوى.
وشدد على أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظاهرة، داعياً إلى تبني ثقافة التحقق من المعلومات وعدم التعامل مع أي محتوى أو توجيه باعتباره صحيحاً قبل التأكد من مصدره عبر قنوات موثوقة
وأشار إلى أن عمليات التزييف أصبحت أكثر تعقيداً ودقة، حيث قد يقتصر التلاعب على كلمات أو أجزاء محدودة داخل محتوى حقيقي، ما يجعل اكتشافه أكثر صعوبة، مؤكداً أنه لا توجد حتى الآن أداة تقنية قادرة على التحقق من صحة المحتوى بنسبة 100%.
وأوضح أن حماية الأصول الرقمية أصبحت لا تقل أهمية عن حماية الأصول المادية، خاصة مع تزايد الاعتماد على البيانات والمعلومات الشخصية والمالية المخزنة رقمياً، وهو ما يوسع نطاق المخاطر المرتبطة بالاحتيال والاختراقات السيبرانية.
وقال أن مواجهة مخاطر الإعلام الاصطناعي والتزييف العميق تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات والشركات والمؤسسات الأكاديمية، إلى جانب تعزيز ثقافة التحقق الرقمي، بما يضمن الحفاظ على الثقة في المحتوى والمعلومات داخل الفضاء الرقمي في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.
كما دعا إلى تعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين المؤسسات العاملة في القطاعات الحيوية، خاصة القطاع المصرفي، مع دعم الجهات الرسمية لهذا التوجه من خلال أطر تنظيمية تضمن مشاركة المعلومات والخبرات لمواجهة التهديدات المتطورة.
وقال أن مستقبل الأمن السيبراني سيعتمد على التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن المؤسسات لم تعد قادرة على مواجهة التهديدات الحديثة بالأساليب التقليدية وحدها، وأن المرحلة المقبلة تتطلب تبني نهج “Fight AI with AI“، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي والأتمتة لبناء منظومات دفاعية قادرة على مواكبة سرعة وتعقيد التهديدات الرقمية المتسارعة.

قضية استراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد الوطني
أكد المهندس محمد شمروخ، الرئيس التنفيذي للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر، أن الأمن السيبراني لم يعد ملفًا تقنيًا يقتصر على حماية الشبكات والحواسب، بل أصبح قضية استراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد الوطني واستمرارية الخدمات الرقمية، خاصة مع التوسع في استخدام تقنيات الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء ومراكز البيانات. والتطورات المتسارعة في التهديدات الرقمية ومتطلبات التحول الرقمي مما يفرض تعزيز مشاركة القطاع الخاص في منظومة الأمن السيبراني، سواء في أعمال التقييم أو التدقيق أو تقديم الخدمات، بما يدعم المنافسة ويرفع جودة الخدمات ويعزز الابتكار داخل السوق. مع التطوير المستمر للمنظومة التشريعية والتنظيمية لقطاع التكنولوجيا والأمن السيبراني
وأوضح أن الانتشار المتزايد للأجهزة المتصلة بالإنترنت يفرض تحديات جديدة تتطلب وضع معايير واضحة لتأمينها، إلى جانب مواصلة تحديث التشريعات وتطوير أطر الحوكمة بما يواكب التطورات العالمية مشيرا إلى أن بناء منظومة أمن سيبراني قوية يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص ودعم قطاع الأمن السيبراني باعتباره أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الرقمي، وعنصرًا رئيسيًا في حماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز الثقة في الخدمات الإلكترونية ودعم مسيرة التحول الرقمي، مشيرًا إلى أن السوق المصرية تمتلك كوادر وخبرات قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا إذا ما توفرت لها البيئة التنظيمية الداعمة.
وكشف عن الانتهاء من إعداد إطار تنظيمي متكامل لترخيص شركات الأمن السيبراني العاملة في السوق المصرية، مشيرًا إلى أن الجهاز أطلق بالفعل منظومة لتراخيص الشركات تغطي مختلف الخدمات، بما في ذلك الخدمات الفنية المتخصصة وخدمات الأمن السيبراني المُدارة Security as a Service.
وأضاف أن عدد الشركات الحاصلة على تراخيص رسمية من الجهاز بلغ حتى الآن 49 شركة، مع تزايد الطلب على التراخيص في ظل النمو المتسارع للسوق. .

التكنولوجيا محور الجرائم الحديثة الهويات الرقمية هدف المهاجمين
أوضح المستشار محمد الزند، رئيس اللجنة القومية لمنع ومكافحة الجرائم السيبرانية، أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا مشتركًا في معظم الجرائم الحديثة، سواء كانت جرائم سيبرانية خالصة أو جرائم تقليدية تعتمد جزئيًا على الوسائل الرقمية، لافتًا إلى أن الاحتيال تطور ليأخذ شكل الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وأضاف أن شبكات الاحتيال الحديثة باتت ترتبط بشكل متزايد بجرائم الاتجار بالبشر وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، مشيرًا إلى انتشار ما يُعرف بـ”مراكز الاحتيال المنظمة” في عدد من مناطق العالم، والتي تعتمد على استغلال ضحايا الاتجار بالبشر وإجبارهم على تنفيذ عمليات احتيالية لصالح شبكات إجرامية دولية. والاحتيال الإلكتروني أصبح تهديدًا استراتيجيًا للأمن الاقتصادي والقومي.. والتعاون الدولي ضرورة لمواجهته حيث تحقق مراكز الاحتيال المنظمة في شرق وجنوب شرق آسيا 40 مليار دولار أرباحا سنويًا
وأكد رئيس اللجنة القومية لمنع ومكافحة الجرائم السيبرانية أن مواجهة هذه الظواهر تتطلب تطوير التشريعات، وبناء القدرات الفنية للقضاة وأعضاء النيابة العامة، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات والأدلة الرقمية بين الدول.
وذكر أن الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد جريمة مالية أو تقنية، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي والأمن القومي، ما يتطلب تعزيز التعاون الدولي، وتطوير التشريعات، والاستثمار في بناء القدرات البشرية والتكنولوجية لمواكبة التطور المتسارع لأساليب الجريمة الرقمية.
دعا رئيس اللجنة القومية لمنع ومكافحة الجرائم السيبرانية إلى التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يفرض تحديات جديدة على مختلف مؤسسات الدولة لأن مواجهة الجرائم الرقمية تستلزم تعزيز التكامل بين الجهات القضائية والرقابية والمالية والتكنولوجية، بما يضمن فهماً شاملاً للتحديات المستجدة واتخاذ قرارات تستند إلى رؤية متكاملة.
وأشار إلى أن الهويات الرقمية أصبحت الهدف الأكثر جاذبية للمهاجمين، مستشهداً بحوادث سيبرانية بارزة استغلت حسابات وصلاحيات شرعية للوصول إلى الأنظمة والبيانات، مؤكداً أن مستقبل الأمن السيبراني سيتجه بشكل أكبر نحو تحليل السلوكيات الرقمية واكتشاف الأنشطة غير الطبيعية، حتى عندما تصدر من مستخدمين موثوقين ظاهرياً لأن جوهر التحدي الأمني المتمثل في سرعة اكتشاف الهجمات والاستجابة لها
وشدد على أن مستقبل الأمن السيبراني سيتجه بشكل متزايد نحو إدارة الهوية الرقمية، والتحقق المستمر من مستويات الثقة، وتحليل السلوكيات، في ظل تحول الهجمات الإلكترونية لاستهداف الهويات والصلاحيات الشرعية بدلاً من استهداف الأنظمة بشكل مباشر، ما يجعل نموذج Zero Trust أحد أكثر النماذج قدرة على مواجهة التهديدات الحديثة، شريطة تطبيقه كاستراتيجية مؤسسية شاملة مدعومة من الإدارة العليا.

بنية سحابية آمنة وتطبيقات موثوقة
من جانبه، أكد أيمن الزغبي، نائب رئيس الدفاع السيبراني لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بمجموعة Digital Defense Group، أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يرتبط فقط بدعم اللغة العربية، بل يتطلب بناء منظومة وطنية وعربية متكاملة تشمل البيانات والخوارزميات والبنية التحتية الرقمية ومراكز الحوسبة المتقدمة.
وأوضح أن الاعتماد المتزايد على منصات الذكاء الاصطناعي العالمية يفرض تحديات تتعلق بالسيادة الرقمية وحماية البيانات والخصوصية، ما يستدعي تطوير قدرات محلية تضمن إدارة البيانات الحساسة وفق الأطر التنظيمية الوطنية.
وأشار إلى أن التطورات السريعة في نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تفرض تحديات إضافية تتعلق بالشفافية ومصادر البيانات والحوكمة والامتثال التنظيمي.
وأكد أيمن الزغبي أهمية تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية تراعي الخصوصية الثقافية والاحتياجات المحلية، مشيراً إلى أن امتلاك بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي يسهم في تعزيز الثقة الرقمية وحماية البيانات وتقليل الاعتماد على الحلول الخارجية في القطاعات الحيوية.
وشدد على أن بناء سحابة سيادة رقمية آمنة، وتطوير أطر شهادات واعتماد متعددة المستويات، وتعزيز الحوكمة والامتثال، تمثل ركائز أساسية لتمكين المؤسسات من الاستفادة الآمنة والفعالة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، ودعم مسيرة التحول الرقمي المستدام.
وذكر أيمن الزغبي أن الأمن السيبراني لم يعد ملفًا تقنيًا يقتصر على حماية الشبكات والحواسب، بل أصبح قضية استراتيجية ترتبط بالأمن القومي والاقتصاد الوطني واستمرارية الخدمات الرقمية، خاصة مع التوسع في استخدام تقنيات الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء ومراكز البيانات.
ولفت إلى أن بناء منظومة أمن سيبراني قوية يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص ودعم قطاع الأمن السيبراني باعتباره أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الرقمي، وعنصرًا رئيسيًا في حماية البنية التحتية الرقمية وتعزيز الثقة في الخدمات الإلكترونية ودعم مسيرة التحول الرقمي أن ضمان استمرارية الأعمال أثناء الأزمات يعد من أهم مسؤوليات فرق الأمن السيبراني
الحماية والاستدامة
وقال رئيس مجلس النواب المصري المستشار هشام بدوي أن بناء مجتمع رقمي حديث، يتطلب تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية، وحماية الأصول الرقمية من أجل استدامة الخدمات الحكومية. إن مستقبل التنمية والأمن في العالم العربي بات مرتبطًا بامتلاك أدوات العصر الرقمي وحماية الأمن السيبراني تنظيم تداول البيانات وصون خصوصية الأفراد وفق معايير حديثة ومتوازنة.
وأضاف أن مصر استثمرت بصورة كبيرة في تطوير قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات حتى أصبحت من بين الدول الأكثر تطورًا في أفريقيا في هذا المجال، إلى جانب تنفيذ برامج واسعة لتأهيل الكوادر البشرية وتنمية المهارات الرقمية، انطلاقًا من أن العنصر البشري يمثل حجر الأساس لتحقيق السيادة الرقمية المستدامة.كما دشنت مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية بالعاصمة الجديدة، وهو الأول من نوعه في مصر وشمال أفريقيا، ليكون بمثابة العقل الإلكتروني للحكومة المصرية، ويضمن استضافة وتأمين البيانات الحكومية
وذكر رئيس برلمان مصر أن مستقبل التنمية والأمن في العالم العربي بات مرتبطًا بامتلاك أدوات العصر الرقمي وحماية الأمن السيبراني، الكفيلة بالحفاظ على الثروات المعلوماتية وبيانات المواطنين والمؤسسات، وعدم تركها عرضة للاستباحة في ظل الصراعات الجيوسياسية الراهنة.
ودعا إلى إعداد رؤية برلمانية عربية تتضمن تشريعًا موحدًا يرتكز على تطوير الأطر التشريعية العربية بما يواكب التطورات التكنولوجية، وتوطين البيانات الرقمية من خلال إنشاء بنية تحتية عربية آمنة ومتكاملة، وتطوير آليات الإنذار المبكر لمواجهة الهجمات السيبرانية العابرة للحدود، إلى جانب دعم الابتكار والصناعات الرقمية العربية والاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم الرقمي والتدريب وبناء القدرات في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني بما يدعم مستقبل الأجيال العربية، ويحافظ على الهوية العربية ويصون الخصوصية الرقمية وتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ أمن واستقرار الدول العربية.

تحذير للمؤسسات المالية من تبعات الذكاء الاصطناعي الوكيل
حذرت الجهات الرقابية المالية العالمية من أن الأجيال المتقدمة من أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتية التشغيل، قد تزيد من المخاطر التي تواجه النظام المالي العالمي، داعية المؤسسات المالية إلى وضع ضوابط وإجراءات رقابية جديدة مع تسارع وتيرة اعتماد هذه التقنيات.
وذكر مجلس الاستقرار المالي (FSB) – أنه يشجع بقوة مجالس إدارات المؤسسات المالية على تبني ضمانات وإجراءات وقائية للحد من المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ولا سيما ما يعرف بـ”الذكاء الاصطناعي الوكيل” أو “Agentic AI“، وهو نوع من الأنظمة القادر على التخطيط والاستدلال وتنفيذ المهام بدرجة محدودة من الإشراف البشري.
وأشار التقرير إلى أن هذه التقنيات بدأت بالفعل تجد طريقها إلى القطاع المالي، حيث تستخدم في مجالات كشف الاحتيال وخدمة العملاء والعمليات الإدارية والتشغيلية الخلفية.
وأكد المجلس، أن الأنظمة المستقلة للذكاء الاصطناعي تطرح مخاطر جديدة يمكن أن تتطور بسرعة كبيرة، من بينها تنفيذ إجراءات غير مصرح بها أو مخالفة للقوانين، وتسريب البيانات، وتعطيل الأنظمة المترابطة داخل المؤسسات المالية. وتمثل هذه الأنظمة تحديًا خاصًا لعمليات الرقابة البشرية، إذ قد تتخذ قرارات أو تنفذ إجراءات لا تتوافق مع أهداف المؤسسة أو سياساتها دون أن يتمكن الموظفون من اكتشافها أو التدخل لوقفها في الوقت المناسب.
واقترح المجلس مجموعة من “الممارسات السليمة” غير الملزمة للحد من هذه المخاطر، تتضمن وضع حدود واضحة لاستخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات المالية، وتحديد نطاق الصلاحيات الممنوحة لهذه الأنظمة، وإدراج آليات رقابية فعالة ضمن بيئة العمل مثل اشتراط موافقة بشرية مسبقة على العمليات عالية المخاطر، بما في ذلك المعاملات المالية التي تتجاوز حدودا معينة، لمنع اتخاذ قرارات ذات آثار مالية كبيرة بصورة آلية بالكامل.
وأشار المجلس إلى أن المؤسسات المالية تحتاج مستقبلًا إلى تطوير سياسات الموارد البشرية والرقابة الداخلية بما يسمح بالتعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها “موظفين رقميين” أو “موظفين اصطناعيين”، مع إخضاعها لمعايير الحوكمة والمساءلة المناسبة.
يأتي التقرير في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية بشأن المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، خاصة بعد التطورات السريعة التي شهدتها النماذج المتقدمة القادرة على تنفيذ مهام معقدة بصورة شبه مستقلة، وما قد يترتب على ذلك من تحديات تتعلق بالأمن السيبراني والاستقرار المالي.ويناقش حاليا مجلس الاستقرار المالي إطار إرشادي دولي للتعامل مع هذه التقنيات داخل القطاع المالي.
مجلس الاستقرار المالي FSB هو هيئة دولية تأسست عام 2009 بتوجيه من مجموعة العشرين؛ لتعزيز الرقابة على الأسواق المالية ومراقبة وتقديم التوصيات بشأن النظام المالي العالمي، ويقع مقره في بازل بسويسرا، ويهدف إلى الحد من المخاطر النظامية وتعزيز التعاون الدولي بين السلطات الرقابية المالية، حيث يضم المجلس 71 مؤسسة عضوًا تشمل وزارات المالية، والبنوك المركزية، وهيئات الإشراف من 25 ولاية قضائية، بالإضافة إلى المنظمات الدولية

رؤية شاملة لبناء فضاء رقمي آمن
أوضح المهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر، أن البنية التكنولوجية للدولة ومقدراتها تمثل أولوية متقدمة في أجندة الأمن الرقمي، مشيراً إلى أن مفهوم السيادة الرقمية أصبح أحد الركائز الأساسية لحماية مصالح الدول وضمان كفاءة واستمرارية الخدمات.
وأضاف أنه إذا كانت الطرق والموانئ تمثل شرايين الاقتصاد التقليدي، فإن مراكز البيانات باتت تمثل اليوم الشرايين الرئيسية للاقتصاد الرقمي، وهو ما يدفع الدولة المصرية إلى مواصلة جهودها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لمراكز البيانات، وجذب الاستثمارات الداعمة لترسيخ السيادة الرقمية.
ولفت إلى أن تطور تقنيات الحوسبة الكمية يفرض واقعاً جديداً على منظومة الأمن السيبراني، ويطرح تحديات مستقبلية تتطلب استعداداً مبكراً كضرورة استراتيجية لا غنى عنها. وأكد أن مصر تتبنى رؤية شاملة لبناء فضاء رقمي آمن، من خلال عمل المجلس الأعلى للأمن السيبراني على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية الثانية للأمن السيبراني، بما يسهم في تعزيز حماية البنية التحتية الرقمية، ورفع كفاءة الاستجابة، وترسيخ مقومات الأمن القومي الرقمي.
وكشف أن المجلس الأعلى للأمن السيبراني بدأ بالفعل الإعداد لإطلاق النسخة الثالثة من الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، استعداداً للفرص والتحديات المستقبلية، لافتاً إلى أن الدولة تعمل على رفع الجاهزية الفنية في القطاعات الحيوية، وتعزيز قدرات الوقاية والاستجابة والتعافي، بما يضمن استمرارية الأعمال وحماية الخدمات الرقمية. كما أشار إلى تطوير سوق الأمن السيبراني، حيث تم اعتماد 45 شركة كمقدمي خدمات أمن سيبراني، بما يعزز الثقة في السوق المحلية ويدعم مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
وأكد أن مصر تولي اهتماماً كبيراً بالاستثمار في العنصر البشري من خلال البرامج المتخصصة وبناء القدرات ومسارات الاعتماد المهني، مثل مبادرة “الرواد الرقميون” وغيرها، بما يساهم في إعداد كوادر قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال الحيوي مشيرا إلى أن الأمن السيبراني أصبح مفهوماً شاملاً يضع الإنسان في قلب منظومة الحماية الرقمية.
وأضاف أن أهمية تعزيز الوعي الرقمي تتزايد مع ترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، خاصة بين الأطفال والنشء، مشيراً إلى إطلاق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لمنصة “واعِ” بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة والأمم المتحدة، بهدف دعم جهود التوعية بالسلامة الرقمية والاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
وشدد على أن الطبيعة العابرة للحدود للفضاء الرقمي تجعل التعاون الدولي ضرورة حتمية، إذ لا تستطيع أي دولة مواجهة التحديات السيبرانية منفردة. وأكد أهمية تعزيز الشراكات وتبادل الخبرات بين مختلف الأطراف، مشيراً إلى التزام مصر بمواصلة العمل مع شركائها إقليمياً ودولياً لترسيخ مفهوم السيادة الرقمية، مشدداً على أن مستقبل الأمن الرقمي يُبنى بالشراكات الفعالة وتبادل الخبرات والاستثمار في الإنسان، إلى جانب الاستعداد المستمر لمواكبة ما تحمله التكنولوجيا من فرص وتحديات.








