Site icon بوابة العمال

جنود في مواقع العمل.. قراءة في الرسالة الأعمق التي حملها مشهد ميناء دمياط

 

قراءة وتحليل _ نجوى ابراهيم

قد تكشف التحقيقات الجارية كل تفاصيل الهجوم الذي استهدف إحدى سفينتي التغويز والتخزين بميناء دمياط باستخدام طائرة مسيرة، وفق ما أعلنته الدولة المصرية، وقد تحدد كيف وقع الحادث، ومن يقف وراءه، وما هي أبعاده؟  لكن، وبينما تنشغل جهات التحقيق بالإجابة عن هذه الأسئلة، يفرض المشهد نفسه سؤالا آخر لا يقل أهمية: ماذا كشف هذا الحادث عن الإنسان المصري؟

لقد كان المشهد بالغ الخطورة بكل المقاييس، لم يكن الأمر مجرد حريق يمكن احتواؤه، وإنما خطر حقيقي كان يمكن أن يمتد إلى منشآت حيوية وسفن وأرصفة ومعدات، بما يحمله ذلك من تهديد للأرواح ولمرفق يمثل أحد أهم شرايين التجارة والاقتصاد المصري.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون أمام من يقف في الميدان وقت طويل للتفكير أو حسابات كثيرة للاختيار؛ فإما أن يتقدم نحو الخطر، وإما أن يتركه يتسع.

وهنا ظهرت الصورة التي ربما أراد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي أن تتوقف أمامها الدولة كلها، عندما كلف الفريق مهندس كامل الوزير وزير النقل بالتوجه إلى ميناء دمياط لتوجيه الشكر لأبطال أطقم القاطرات البحرية.

لم يكن هذا التكليف مجرد تحية لمن نجحوا في احتواء الأزمة، وإنما كان احتفاء بقيمة أكبر من الحدث نفسه؛ قيمة الإنسان الذي يقدم واجبه على سلامته، ويضع حماية وطنه قبل أي اعتبار آخر.

ففي تلك اللحظات، لم يكن رجال القاطرات البحرية يواجهون ألسنة اللهب فقط، بل كانوا يواجهون احتمالا مفتوحا لكل السيناريوهات، ومع ذلك، لم تكن وجهتهم إلى مناطق الأمان، بل إلى مصدر الخطر.

لم يكن السؤال الذي يحكم حركتهم كيف ننجو؟ بل كيف نمنع أن يتحول هذا الحادث إلى كارثة؟ وكيف نحمي الميناء؟ وكيف نحافظ على الأرواح والمنشآت مهما كانت المخاطر؟

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها طويلًا، فالبطولة ليست أن ينجح الإنسان بعد أن يكون آمنًا، وإنما أن يقرر أداء واجبه وهو يعلم أن الطريق إليه محفوف بالمخاطر.

وهذا هو الفارق بين من يؤدي عملًا، ومن يؤدي رسالة، لقد تصرف هؤلاء الرجال بعقيدة المصري الذي يرى أن موقع عمله أمانة، وأن حماية هذا الموقع جزء من حماية الوطن نفسه، حتى وإن كان الثمن تعريض حياته للخطر.

ولعل الرسالة الأعمق التي حملها هذا المشهد أن مفهوم الدفاع عن الوطن لم يعد يقتصر على من يحمل السلاح، على عظمة هذا الدور الذي تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة ورجال الشرطة في حماية حدود الدولة وأمنها، فهناك جنود آخرون يرتدون خوذات العمل وسترات النجاة وملابس التشغيل، يقفون كل يوم في الموانئ والمصانع وحقول البترول ومحطات الكهرباء وشبكات النقل، يحملون مسؤولية لا تقل أهمية، لأنهم يحرسون شرايين الحياة التي يقوم عليها الوطن.

إن العامل الذي يتمسك بموقعه في مواجهة الخطر، والمهندس الذي يرفض مغادرة غرفة التشغيل، وربان القاطرة الذي يتجه بسفينته نحو منطقة الخطر ليبعدها عن الميناء، كلهم يؤدون صورة أخرى من صور الدفاع عن الوطن.

قد لا يحملون السلاح، لكنهم يحملون الروح نفسها؛ روح الواجب، والانتماء، والاستعداد للتضحية إذا اقتضى الأمر، حتى تبقى مصر آمنة وقادرة على مواصلة مسيرتها، وربما كانت هذه هي الرسالة التي وصلت إلى كل من يظن أن استهداف منشأة أو مرفق يمكن أن يهز الدولة المصرية أو يكسر إرادتها.

فالمعادلات لا تصنعها المنشآت وحدها، وإنما يصنعها الرجال الذين يقفون خلفها، قد تُستهدف سفينة، أو يتعرض مرفق لخطر، لكن ما دام في مصر رجال يعتبرون مواقع عملهم جزءًا من أمنها القومي، فإن كل محاولة للمساس بمقدرات هذا الوطن ستجد أمامها شعبًا يعرف كيف يحول لحظات الخطر إلى مواقف بطولة.

لقد حاول الاعتداء أن يختبر جاهزية الدولة، فإذا به يكشف شيئًا أكبر؛ أن مصر لا تبني قوتها بالخرسانة والحديد وحدهما، وإنما بالإنسان الذي يقف خلف كل مشروع، ويحرس كل ميناء، ويشغل كل محطة، ويؤمن كل مرفق، هذا الإنسان هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة، وهو الثروة التي لا يمكن استهدافها أو النيل منها.

ولذلك، فإن تكريم القيادة السياسية لأبطال ميناء دمياط لم يكن تكريمًا لواقعة انتهت، بل كان تكريمًا لفكرة يجب أن تظل حاضرة في الوعي الوطني؛ أن كل عامل مخلص هو جندي في موقعه، وأن كل يد تبني وتحمي وتنتج، هي جزء من منظومة الدفاع عن مصر.

وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي خرج بها المصريون من مشهد دمياط: أن الوطن لا يحميه الأبطال في ميادين القتال فقط، بل يحميه أيضًا أبطال يذهبون كل صباح إلى مواقع عملهم وهم يدركون أن الإخلاص في أداء الواجب قد يصبح، في لحظة فارقة، أعظم صور البطولة.

Exit mobile version