منذ اكثر من نصف قرن والشرق الأوسط لا يخرج من دائرة الغليان
الحروب تنتقل من عاصمة الى اخرى والازمات تتجدد بعناوين جديدة والحدود تشتعل ثم تخمد ثم تعود لتشتعل من جديد.
منطقة تملك اكبر احتياطي للطاقة في العالم واهم الممرات الملاحية وموقعا جيوسياسيا لا يمكن تعويضه هي نفسها المنطقة الاكثر استنزافا وارهاقا.
هنا يصبح السؤال ضروريا من الذي يخطط لجعل المنطقة كلها ملتهبة ومن المستفيد من بقائها في حالة صراع مستمر.
التحليل الواقعي يقول ان اشتعال الشرق الأوسط ليس حادثا عرضيا ولا نتيجة اخطاء محلية فقط هو مشروع منظم تتداخل فيه مصالح دولية واقليمية واقتصادية وامنية.
هناك قوى كبرى ترى في استمرار التوتر اداة لتحقيق اهداف استراتيجية.
اولا ضمان اسواق دائمة لبيع السلاح فكل جولة صراع تعني صفقات بمليارات الدولارات وعقود تسليح طويلة الاجل.
ثانيا منع قيام تكتل اقليمي قوي يمتلك قراره السياسي والاقتصادي والعسكري.
دولة مركزية مستقرة في هذه المنطقة ستغير موازين القوة العالمية وستخرج عن دائرة التبعية وهذا ما لا تريده مراكز القرار الكبرى.
ثالثا السيطرة على مفاصل الطاقة والملاحة عندما تكون المنطقة غير مستقرة يسهل التحكم في اسعار النفط والغاز وفي طرق الامداد وفي الاتفاقات الامنية التي تفرض على الانظمة
على المستوى الاقليمي هناك اطراف تبني نفوذها على تصدير الازمات.
تمويل جماعات مسلحة دعم خطاب طائفي وعرقي اشعال نزاعات حدودية خلق مناطق نفوذ الهدف ليس حسم معركة بل منع الخصم من النهوض دولة منهكة بالداخل لا تفكر في مشروع تكامل ولا في جيش قوي ولا في اقتصاد انتاجي
وهكذا يتحول الصراع من صراع مصالح الى صراع بقاء
الاخطر هو مشروع اعادة هندسة الخريطة، فكرة تقسيم الدول الكبرى الى كيانات اصغر على اساس عرقي او مذهبي او جغرافي.
كيانات ضعيفة متناحرة تعتمد على الخارج في الامن والمال والسلاح هذا النموذج يسهل ادارته من الخارج ويمنع ظهور اي قوة اقليمية قادرة على المنافسة عندما تنشغل الحكومات في اطفاء الحرائق تتوقف مشاريع التنمية والتصنيع والبحث العلمي وعندما ينشغل المجتمع في تأمين يومه ينسى التخطيط لمستقبله
ولصالح من يحدث كل هذا لصالح مجمع صناعي عسكري عالمي يحقق ارباحا مع كل رصاصة تطلق في المنطقة
لصالح اطراف تريد ان تبقى اسرائيل المتفوق العسكري الوحيد بلا رادع اقليمي حقيقي.
لصالح شركات كبرى تنتظر عقود اعادة الاعمار بعد كل تدمير
لصالح قوى تريد ان يبقى الشرق الأوسط مستوردا للتكنولوجيا والغذاء والدواء لا منتجا لها لصالح من يرى في استقرار المنطقة تهديدا مباشرا لنفوذه ولتحالفاته
النتيجة على الارض واضحة
اقتصادات تنهار وعملات تفقد قيمتها وبنية تحتية تدمر واجيال تفقد فرص التعليم والعمل هجرة العقول واستنزاف الموارد البشرية وتفكك النسيج الاجتماعي المنطقة تدفع فاتورة باهظة من دم ابنائها ومن مستقبل شعوبها
لكن هذه المشاريع لا تنجح الا في بيئة هشة، هشاشة مؤسسات وهشاشة اقتصاد وهشاشة خطاب ولذلك يبدأ الخروج من الداخل
بناء جيوش وطنية محترفة بعيدة عن الولاءات الضيقة.
بناء اقتصاد انتاجي يعتمد على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا بدلا من اقتصاد الريع، اعلام قوي يفك خطاب الفتنة ويكشف اجندات التدخل، تعاون اقليمي قائم على المصالح المشتركة لا على المحاور المتصارعة
الشرق الأوسط لا ينقصه المال ولا الموقع ولا الكفاءات، ينقصه قرار سيادي بان المنطقة ليست ساحة لتجارب الاخرين.
من يخطط لالتهاب المنطقة يراهن على تكرارنا لنفس الاخطاء
واذا غيرنا قواعد اللعبة من الداخل سيسقط الرهان حينها فقط ستتحول هذه النار من اداة تدمير الى طاقة بناء.
ياسر السجان يكتب: الشرق الأوسط ساحة اشتعال دائم

