Site icon بوابة العمال

د. رانيا حمدي احمد تكتب: المحرر الخفي والثروة النادرة

صناعه الاعلام على السوشيال ميديا تتخذ الثوره الرقمية مكانة الصدارة في عالم اليوم بتحولاتها الحضارية فمنذ اختراع الطباعه وللمره الاولى لم تعد سلطه انتاج الرساله الاعلاميه حكرا على المؤسسات وانما اصبحت موزعه بين ملايين الافراد الذين يمتلكون القدره على النشر والتاثير وصناعه الاجنده الاعلاميه دون الحاجه الى غرفه اخبار او استوديو او مطبعه فانها لم تنتزع من المؤسسات الاعلاميه جمهورها فقط وانما انتزعت منها وظيفتها التاريخيه بوصفها الوسيط الوحيد بين الحدث والجمهور لقد اصبح الحدث يبث لحظه وقوعه عبر هاتف احد المواطنين قبل ان يصل اليه كاميرات القنوات الفضائيه واصبح الراي العام يتشكل داخل المنصات الرقميه قبل ان تبدا البرامج الحوارية في مناقشته وهكذا انتقلت سلطه حارس البوابه الاعلاميه من المحرر ورئيس التحرير ومدير الاخبار الى الخوارزميات الرقميه التي لا تقيس اهميه المحتوى بقيمته المهنيه وانما بحجم التفاعل الذي يحققه.

فالمنصه لا تسال هل الخبر صحيح بل تسال هل يجذب جمهور السوشيال ميديا هل يثير التعليقات هل يزيد زمن بقاء المستخدم داخل التطبيق ومن هنا بدا التحول الاخطر في تاريخ الاتصال الجماهيري اذ لم تعد المؤسسات الاعلاميه هي التي تحدد اولويات المجتمع بل اصبحت الخوارزميات هي المحرر الخفي الذي يعيد ترتيب اهتمامات الناس وفق اعتبارات تجاريه وتقنيه اكثر منها اعلاميه او معرفيه وفي هذا السياق لم يعد كل مواطن مجرد صحفي او مذيع بل اصبح مؤسسه اعلاميه متكامله فهو ينتج المحتوى ويصوره ويحرره وينشره ويقيس اثره ويبيع المساحات الاعلانيه داخله انها المره الاولى التي تتحول فيها الهويه الفرديه الى منصه اعلاميه ذات قيمه اقتصاديه مستقله وهي تحول لم تعرفه وسائل الاعلام عبر تاريخها لكن هذه الحرية الواسعة جاءت على حساب احد اهم اعمده الاعلام المهني وهي المسؤوليه فبينما كانت المؤسسات التقليدية تخضع لقواعد قانونيه واخلاقية ومهنية في حين اصبح المحتوى الرقمي يتحرك في فضاء شديد السيوله تتراجع فيه معايير التحقق ويختلط الخبر بالاعلان والمعلومة بالشائعة والتحليل بالدعاية حتى بات المتلقي يعيش داخل فيض معلوماتي يصعب فيه التمييز بين الحقيقه والتضليل والاعلام التقليدي لن ينجو بالحنين الى الماضي وكذلك الاعلام الرقمي لن ينجح اذا ظل اسيرا لمنطق المشاهدات السريعة فالمستقبل يحتاج ما بين سرعة التكنولوجيا وعمق الاعلام واخلاقيات المهنه ووعي الجمهور لقد منحت السوشيال ميديا كل انسان منبرا لكنها لم تمنحه بالضرورة المعايير التي تجعل من هذا المنبر اعلاما مسؤولا وبين وفره الاصوات وندرة الحقيقه تبقى المصداقيه هي الثروة النادره ويبقى الاعلام المهني مهما تبدلت وسائطه احد اهم ركائز استقرار المجتمعات وحمايه وعيها.

د. رانيا حمدي احمد تكتب: المحرر الخفي والثروة النادرة

Exit mobile version