بينما انشغل كثيرون بمشاهدة صور الحريق الذي اندلع في سفينة الغاز بميناء دمياط، كان المهندسون ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. لم يكن السؤال: لماذا اشتعلت السفينة؟ بل كان السؤال الأهم: لماذا لم تتحول إلى كارثة إقليمية؟
فالحوادث الكبرى لا تبدأ عادة بانفجار هائل، وإنما تبدأ بحدث صغير: تسرب، شرارة، عطل في صمام، خطأ بشري، أو تأثير خارجي غير متوقع. أما الكارثة الحقيقية فتحدث عندما تتعطل طبقات الحماية الواحدة تلو الأخرى حتى يصل النظام إلى نقطة الانهيار.
وهنا يظهر جوهر الهندسة الحديثة.
الهندسة ليست مجرد معادلات لتحديد سمك المواسير أو قدرة المضخات أو أبعاد الخزانات، بل هي علم إدارة المخاطر (Risk Management) ومنع الحوادث قبل وقوعها. ولهذا فإن الأكواد العالمية مثل NFPA وAPI وASME وIEC لا تكتفي بتحديد كيفية التصميم، بل تحدد أيضًا كيفية التعامل مع السيناريوهات التي قد تبدو مستحيلة.
قد يسأل شخص غير متخصص:
لماذا أصمم نظامًا كاملًا لمواجهة احتمال لا يتجاوز واحدًا في المليون؟
لأن الهندسة لا تنظر إلى احتمال وقوع الحادث فقط، وإنما إلى عواقب وقوعه.
فالخطر الهندسي لا يساوي الاحتمال وحده، بل هو حاصل الجمع بين احتمال الحدوث وشدة العواقب. لذلك قد يكون هناك عطل متكرر يحدث كل أسبوع ولا يمثل خطرًا كبيرًا، بينما يوجد حادث قد لا يحدث إلا مرة واحدة خلال عمر المنشأة، لكنه إذا وقع فقد يدمر منشأة استراتيجية أو يتسبب في خسائر بشرية واقتصادية وبيئية هائلة.
ولهذا السبب لا تسمح الأكواد بالاعتماد على وسيلة حماية واحدة، بل تعتمد على فلسفة الدفاع في العمق (Defense in Depth) أو طبقات الحماية (Layers of Protection).
فالخزان محمي.
وإذا فشل الخزان توجد صمامات أمان.
وإذا فشلت الصمامات توجد أنظمة كشف مبكر.
وإذا فشل الكشف توجد أنظمة إطفاء.
وإذا لم تكفِ وسائل الإطفاء توجد مسافات عزل.
وإذا تجاوز الحادث ذلك كله توجد خطط إخلاء وطوارئ.
كل طبقة مستقلة عن الأخرى، لأن المهندس يفترض دائمًا أن أي وسيلة يمكن أن تفشل في اللحظة الأسوأ.
وهذا هو الدرس الذي يقدمه حادث سفينة الغاز في ميناء دمياط. فبصرف النظر عما ستثبته التحقيقات بشأن السبب المباشر، فإن الحدث يوضح أن وجود أنظمة الحماية وخطط الطوارئ والاستجابة السريعة يمكن أن يصنع الفارق بين حادث يتم احتواؤه، وكارثة تمتد آثارها إلى مدينة كاملة.
إن معظم الكوارث الصناعية التي يدرسها طلاب الهندسة اليوم لم تكن نتيجة خطأ واحد، وإنما نتيجة تراكم عدة إخفاقات صغيرة. فكل حاجز حماية أُهمل، وكل إجراء لم يُنفذ، وكل إنذار تم تجاهله، كان خطوة إضافية نحو الكارثة.
ولهذا فإن المهندس المحترف لا يسأل: “هل يمكن أن يحدث هذا؟” بل يسأل: “إذا حدث، هل سيكون النظام قادرًا على احتوائه؟”
هذه هي الفلسفة التي تجعل تصميم منشآت الغاز ومحطات الطاقة والمصافي أكثر تكلفة، لكنها أيضًا تجعلها أكثر أمانًا. فالمال الذي يُنفق على أنظمة السلامة ليس تكلفة ضائعة، بل هو تأمين على الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد الوطني.
إن الحضارة الحديثة لم تُبنَ على التكنولوجيا وحدها، بل بُنيت أيضًا على احترام الكود الهندسي. فكل بند في هذه الأكواد هو خلاصة تجربة، وكل اشتراط هو نتيجة حادث سابق، وكل هامش أمان هو قصة دفع ثمنها آخرون من قبل.
ولهذا فإن المهندس لا يخشى احتمالًا قدره واحد في المليون، لأنه يعلم أن تجاهل هذا الاحتمال قد يحول ذلك “الواحد” إلى مأساة يتذكرها التاريخ لعقود.
إن عظمة الهندسة لا تكمن في قدرتها على تشييد أكبر المنشآت، بل في قدرتها على أن تجعل أخطر المنشآت تعمل يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، دون أن يشعر الناس بحجم المخاطر التي نجحت الهندسة في منعها.
م. خالد محمود خالد: حادث سفينة الغاز في ميناء دمياط… لماذا يحسب المهندس احتمالًا قد لا يتجاوز واحدًا في المليون؟

