Site icon بوابة العمال

د.رحاب فارس تكتب: الحقيقة والفضيحة

اليوم نعيش في زمن اختلطت فيه الأوراق زمن صار فيه من الصعب أن تفرق بين من جاء ليضيء لك الطريق وبين من جاء ليبيع لك الضوء بين من يحمل قلما ليكتب لك الحقيقة وبين من يحمل كاميرا ليبحث عن الفضيحة.

الإعلام في أصله رسالة هو الصوت الذي يوقظك حين تنام عن حقك هو العين التي ترى ما لا تراه وأنت مشغول في همك
هو اليد التي تمسك الميزان وتقول هذا عدل وهذا ظلم.

الإعلام الصادق لا يخاف أن يكون بطيئا لأنه يعرف أن الحقيقة تحتاج وقتا لتنضج لا يخاف أن يكون هادئا لأنه يعرف أن الصراخ لا يصنع وعيا يمشي في الشارع ويسأل الناس ويسمع للصغير قبل الكبير ويعود إلى مكتبه ليكتب بدمه لا بحبره هدفه واحد فقط أن تخرج من الخبر وأنت أفهم وأنت أهدأ وأنت أقرب إلى الله وإلى الناس

أما الإعلان فهو تجارة والتجارة لها قانون واحد الربح
الإعلان لا يسأل هل هذا صحيح هو يسأل هل هذا يبيع لا يسأل هل هذا ينفع الناس هو يسأل هل هذا سيجعل الناس يضغطون
يأخذ جزء من الحقيقة ويغلفه بالبريق ويبيعه لك على أنه الحقيقة كلها يصنع من منتج عادي بطلا ومن مشكلة صغيرة كارثة ومن كارثة كبيرة فرصة ليس عدوا لكنه ليس صديقا هو مرآة تعكس لك ما تريد أن تراه حتى تشتري

وهنا تبدأ الكارثة حين يتحول الإعلام إلى إعلان حين يتحول القلم إلى لافتة حين يتحول الخبر إلى عرض حين يصبح الهدف ليس أن تعرف بل أن تتأثر حين تصبح الغرفة التي كان يجلس فيها المحرر سوقا والميكروفون الذي كان ينقل صوت المظلوم مزادا

والأخطر حين يدخل طرف ثالث إلى المعادلة طرف لا يريد لا رسالة ولا بيعا يريد شيئا واحدا فقط الفضيحة صياد يعيش على جراح الناس لا ينام حتى يجد زلة لا يفرح إلا إذا بكى أحد يأخذ لقطة من سياقها ويقطع جملة منتصفها ويصنع منها قصة كاملة لا يهمه أن يدمر بيتا ولا أن يكسر قلبا ولا أن يشوه سمعة
المهم أن الاسم يتصدر المهم أن الفيديو ينتشر المهم أن الناس تتكلم

الفرق بينهم مؤلم لأنه فرق بين النور والظلام الإعلام الصادق يستر ليفضح الفساد وصياد الفضائح يفضح ليفضح الناس الأول يبكي معك في مصيبتك والثاني يصورك وأنت تبكي الأول يسأل كيف نساعد والثاني يسأل من المسؤول عن الفشل لنشنق الأول يبني جسرا والثاني يحفر حفرة ويجلس يضحك وأنت تقع فيها

الناس تعبت تعبت من أخبار كلها دماء وصراخ
تعبت من عناوين توعد بالنهاية ثم لا شيء تعبت من أن تفتح التلفاز لتبحث عن أمل فتجد من يبيعك الخوف بالكيلو تعبت من أن تفتح هاتفها لتفهم العالم فتجد من يضحك على وجع العالم

لكن رغم كل هذا الأمل لم يمت لأن الناس ما زالت تبحث عن الصدق بفطرتها ما زال القلب يعرف من يكذب عليه حتى لو زين كلامه ما زالت العين تدمع مع الخبر الحقي ولا تهتز مع الخبر المفبرك ما زال هناك من يكتب في منتصف الليل وهو يعرف أن لا أحد سيقرأ لكنه يكتب لأن الضمير لا ينام

يا من تحمل القلم تذكر أنك لست بائعا أنت شاهد
ويا من تملك المنبر تذكر أنك لست مهرجا أنت مسؤول ويا من تضغط مشاركة تذكر أن إصبعك يكتب في صحيفتك يوم القيامة

الفرق بين الإعلام والإعلان هو فرق بين من يريد أن يوقظك ومن يريد أن يغريك
والفرق بين الصدق والفضيحة هو فرق بين من يريد أن يرفعك ومن يريد أن يسقطك

وفي النهاية ستبقى الكلمة الكلمة الطيبة تعيش والكلمة الخبيثة تموت والإعلام الذي جاء من أجل الناس سيبقى والإعلام الذي جاء من أجل الترند سيذهب مع الترند

د.رحاب فارس تكتب: الحقيقة والفضيحة

Exit mobile version