Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب،: قاضية على خط النار.. بين توصية ترفع وامرأة تعنف

128 واقعة عنف ضد نساء وفتيات مصريات في ثلاثة أشهر فقط، 60 حالة تحرش، و41 اعتداء، و27 جريمة قتل، هذا رقم ربع سنة واحد، وليس حصيلة عام كامل، وهو وحده كفيل بأن يوقفنا قبل أن نكمل أي حديث عن “إنجازات” أو “إخفاقات” مؤسسة رسمية اسمها المجلس القومي للمرأة، فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح ليس “هل تنجح أمل عمار في منصبها؟”، بل “هل تصل هذه المؤسسة، بكل ثقلها القانوني والدولي، إلى المرأة التي تتعرض للضرب في بيتها الليلة؟”، بين هذين السؤالين تقع كل المسافة التي يحاول هذا المقال أن يقطعها بعيدا عن التطبيل وبعيدا عن التشكيك المسبق.

منذ توليها رئاسة المجلس القومي للمرأة في نوفمبر 2024 خلفا للدكتورة مايا مرسي، تحمل المستشارة أمل عمار وضعا خاصا، فهي أول قاضية تتولى رئاسة المجلس منذ إنشائه عام 2000، وصاحبة خلفية قانونية عملت فيها كمساعد وزير العدل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل قبل أن تنتقل إلى هذا الموقع، هذه الخلفية القانونية تحديدا هي ما يجعل تقييم أدائها أكثر إنصافا حين يبنى على الملفات لا على الانطباعات.

ما يحسب للمجلس في عهدها، فعلى الصعيد التشريعي، تحدثت عمار عن صدور نحو 59 قانونا و33 قرارا إداريا داعما لحقوق المرأة حتى عام 2025، وهو رقم تراكمي يشمل جهود المجلس منذ سنوات وليس إنجازا شخصيا لها وحدها، لكنه يعكس استمرارية مسار مؤسسي لم يتوقف، كذلك أشارت إلى تحسن ملموس في مؤشر الإطار التشريعي الخاص بالمرأة بنحو عشر نقاط، وهو مؤشر دولي يصعب المجادلة في قيمته المرجعية حتى لو اختلف المرء مع تفسير الأرقام.

من الناحية العملية، واصل المجلس تفعيل مكتب شكاوى المرأة الذي يمثل قناة تواصل مباشرة مع النساء المتعرضات للعنف أو التمييز، كما شارك في متابعة العملية الانتخابية عبر غرفة عمليات مركزية في المحافظات ال27، وهو دور رقابي وإن كان محدود الأثر إلا أنه لا يلغى، أضف إلى ذلك انخراط المجلس في برامج تمكين اقتصادي أوسع مثل “حياة كريمة” والمشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية، وقانون العمل الجديد الذي وسع حقوق المرأة العاملة في إجازات الحمل والرعاية والحماية من التحرش.

وبعيدا عن أي مجاملة، هناك ما يستحق التقدير فعلا في مسيرة أمل عمار الشخصية قبل أن تصل إلى رئاسة المجلس، فهي كانت ضمن أول 30 قاضية على منصة القضاء المصري، وهو رقم صغير يعكس حجم المعركة التي خاضتها هذه الدفعة من القاضيات لإثبات مكانتهن في مؤسسة كانت لعقود حكرا على الرجال، هذا المسار ليس تفصيلا بروتوكوليا يذكر في السيرة الذاتية، بل هو ما يمنحها فعليا موقعا مختلفا عن أي رئيس سابق للمجلس جاء من خلفية دبلوماسية أو سياسية بحتة، فحين تتحدث عمار عن حقوق المرأة أمام القانون، فهي تتحدث بخبرة من كانت هي نفسها استثناء داخل منظومة قضائية مقاومة للتغيير، لا بخبرة من قرأ الملف من الخارج، هذا الفارق، بين من عاش الإشكالية ومن يديرها إداريا فقط، هو ما يمنح رئاستها للمجلس مصداقية مهنية حقيقية، بصرف النظر عن الموقف من أداء المجلس ذاته.

من الوعظ إلى التشبيك المؤسسي، حيث يلفت بعض المتابعين إلى أن خلفية أمل عمار القضائية أحدثت نقلة في أسلوب عمل المجلس ذاته، بعيدا عن المأزق التاريخي الذي كانت تقع فيه المجالس القومية حين تكتفي بحملات التوعية الفوقية التقليدية، فالتنسيق المستمر مع جهات مثل هيئة قضايا الدولة ووزارة العدل، وحتى الجهات الشرطية والعسكرية، لبناء قدرات كوادرها ورفع وعيها بقضايا المرأة، لا يمكن اختزاله في مجرد بروتوكولات تعاون شكلية، فهو محاولة لمعالجة التمييز من داخل المنظومة البيروقراطية نفسها، أي الانتقال من منطق “الدفاع عن الضحية بعد وقوع الضرر” إلى منطق “منع الضرر مؤسسيا” قبل وقوعه، وهو تحول، إن صح قياسه على أرض الواقع، يستحق أن يسجل لصالح الإدارة الحالية للمجلس.

ملف آخر خاضه المجلس مؤخرا هو الاشتباك مع الخطاب الديني والإعلامي عبر مؤتمرات إقليمية ودولية بالتعاون مع الأزهر ومنظمة تنمية المرأة، بهدف تفكيك المفاهيم المغلوطة المرتبطة بالعنف أو الميراث أو حق العمل، والتي كثيرا ما تتغذى من ثقافة شعبية تلبس لبوس الدين وهي منه براء، هذا التحرك، رغم أن مراقبا معارضا قد يراه محاولة “تجميل صورة”، يظل خطوة تكتيكية مهمة لقطع الطريق على خطاب التشدد، بشرط ألا يبقى مجرد توصيات أدبية في بيانات المؤتمرات، بل يتحول إلى سياسات ملزمة فعليا.

وبين الإنصاف وميزان الحق، فالإنصاف يقتضي أيضا عدم إغفال ما هو قابل للقياس فعليا لا للتصديق فقط، فمكتب شكاوى المرأة، عبر الخط الساخن 15115، استقبل خلال عام 2025 وحده، بحسب مديرته الدكتورة أمل عبد المنعم، آلاف الشكاوى المتعلقة بالعنف الأسري والتمييز والانتهاكات القانونية، مع تقديم استشارة قانونية ودعم نفسي لكل حالة، وهو رقم يعني عمليا أن قناة الوصول للمرأة المعنفة لم تعد نظرية، كذلك أطلق المجلس منذ أواخر 2024 نموذج “الوحدة المجمعة لحماية المرأة والفتاة من العنف”، الذي يقدم خدمات الدعم القانوني والصحي والنفسي والتواجد الشرطي في مكان واحد بدلا من تشتيت الناجية بين جهات متعددة، مستفيدا من تجارب مقارنة في جنوب أفريقيا وفلسطين والهند والمغرب ورواندا، وهو تحول في فلسفة الاستجابة لا يمكن تجاهله حتى مع بقاء تحفظات على سرعة تعميمه، هذا النوع من التفاصيل التشغيلية، لا الشعارات العامة، هو ما يستحق أن يسجل فعلا لصالح الإدارة الحالية للمجلس، وهو ما يجعل الحكم عليها أكثر إنصافا حين يبنى على آليات قائمة بالفعل لا على وعود مؤجلة.

وهناك الملفات التي لا تزال مفتوحة، لكن الصورة تصبح أقل بريقا حين ننتقل من الخطاب المؤسسي إلى الأرقام الميدانية، تقرير حديث لمؤسسة “ملاذ لدعم المرأة” رصد 128 واقعة عنف ضد النساء والفتيات خلال الربع الثاني من 2026 وحده، بينها 60 واقعة تحرش و41 اعتداء و27 جريمة قتل، وهو ما وصفه التقرير بأنه نمط متكرر وليس حوادث فردية، مع غياب واضح للتدخل الوقائي قبل تصاعد الأزمات إلى جرائم كاملة، هذا الرقم وحده يكفي لتذكيرنا أن العمل التوعوي والحملات الإعلامية، رغم أهميتها، لم تترجم بعد إلى انخفاض ملموس في معدلات العنف.

الملف الأكثر إلحاحا يبقى قانون الأحوال الشخصية، الذي لا يزال محل مطالبات متكررة من منظمات المجتمع المدني بإصلاح شامل يوازن بين مرجعية الشريعة وحقوق المرأة في الأسرة، وهنا لا بد من توخي الدقة، المجلس القومي للمرأة جهة استشارية ورقابية بموجب القانون رقم 30 لسنة 2018، وليس سلطة تشريعية، فإصدار القوانين اختصاص أصيل للبرلمان ورئيس الجمهورية، ولا يملك المجلس سوى صياغة المقترحات والدفع بها ومتابعتها، لذلك فإن المحاسبة الدقيقة هنا لا تكون على “عدم صدور القانون” في حد ذاته، بل على مدى فاعلية المجلس في الدور المنوط به فعليا، هل صيغت المسودة وقدمت بالسرعة والجدية الكافيتين؟ وهل استمر الضغط المؤسسي على الجهات المختصة لإخراجها من دائرة “المسودات” إلى دائرة “القانون النافذ”؟ هذا هو المعيار الذي ينبغي أن يحاسب عليه المجلس، لا معيار تشريعي ليس من صلاحياته أصلا، كما وجهت انتقادات صريحة، من أصوات ليست بالضرورة معارضة سياسيا، لآلية عمل المجلس في التعامل مع الشكاوى وسرعة الاستجابة لها، وهي زاوية نقد أكثر إنصافا لأنها تلامس اختصاصا رقابيا حقيقيا يملكه المجلس ويمكن قياس أدائه فيه.

وحتى في الملف الذي يحسب عادة للمجلس، وهو تفعيل الوحدات المجمعة لحماية النساء من العنف وربط جهوده بمبادرات التمكين الاقتصادي القومية، يبقى سؤال جوهري معلقا لم يجب عنه أحد بالأرقام حتى الآن، هل تصل هذه المظلات فعلا إلى نساء العشوائيات والقرى الأكثر فقرا في الصعيد والدلتا، أم أن أثرها يتركز في الحضر والمراكز الرئيسية بينما تبقى الفئات الأشد احتياجا خارج دائرة الوصول الفعلي؟ هذا السؤال لا ينبغي أن يترك للمعارضة السياسية وحدها، بل يجب أن يلاحق أي إدارة للمجلس بصرف النظر عن نوايا القائمين عليها.

فالإنصاف يقتضي القول إن المجلس تحت رئاسة أمل عمار يعمل ضمن هامش مؤسسي واسع نسبيا، في التمثيل الدولي، والانخراط في برامج التنمية، والدفع بالتشريعات الداعمة عبر القنوات الدستورية المتاحة له، لكن الفجوة الحقيقية ليست في النوايا ولا في عدد المؤتمرات، ولا حتى فيما يخرج عن يد المجلس أصلا كسلطة تشريعية لا يملكها، الفجوة تكمن في المسافة بين الخطاب الرسمي المتفائل باستمرار وبين واقع يومي ما زالت فيه المرأة المصرية، وفق تقارير مستقلة متكررة، عرضة لعنف لا يجد الرادع الكافي، وفي مدى قدرة المجلس، بأدواته الرقابية والاستشارية فعليا، لا بأدوات لا يملكها، على تقليص هذه المسافة، النجاح المؤسسي في الأروقة الدولية شيء، وضمان أن تصل شكوى امرأة في قسم شرطة بمحافظة نائية إلى نتيجة ملموسة شيء آخر تماما، وهذا هو المعيار العادل الذي ينبغي أن يقاس به أي رئيس لهذا المجلس، في حدود صلاحياته الحقيقية، بصرف النظر عمن يشغل المنصب.

والأرقام لا تكذب حتى لو صدقتها البيانات الرسمية، 128 واقعة عنف في ثلاثة أشهر لم يمنعها مؤتمر عقد ولا مؤشر تحسن، وهذا وحده لا يحمل لمجلس لا يملك سلطة التجريم أو التنفيذ، لكنه يحمل لمنظومة رقابية ووقائية يفترض أن يكون المجلس أحد أعمدتها الفاعلة، المجلس القومي للمرأة اليوم أمام اختبار واحد لا غير، ليس كم مؤتمرا حضرت رئيسته هذا العام، بل كم شكوى تحولت إلى تدخل فعلي، وكم امرأة وصلتها يد المؤسسة قبل أن يصلها الأذى، وحتى تجاب هذه المعادلة بالأرقام لا بالخطابة، يظل كل حديث عن “الإنجاز” حديثا ناقصا، تماما كما يظل كل حديث عن “الفشل” ناقصا إن هو تجاهل حدود الصلاحيات التي تعمل هذه المؤسسة في إطارها.

يوسف عبداللطيف يكتب،: قاضية على خط النار.. بين توصية ترفع وامرأة تعنف

Exit mobile version