Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: شريف حمودة في “الوفد”.. حين اصطدمت فوضى العصور القديمة بـ “حسم” الإدارة الحديثة

في مطلع هذا العام، حين طرح اسم شريف حمودة كمقرر للجنة تطوير مؤسسة الوفد الإعلامية، ثم لاحقا كرئيس تنفيذي لها، بدا المشهد وكأن الحزب العريق يستعيد لحظة أمل مؤجلة. جريدة تحمل تاريخا يمتد لأكثر من مئة عام، وموقعا إلكترونيا يعاني من التشتت، ومركزا إعلاميا يعمل بمعزل عن الجريدة والبوابة، كلها كيانات كانت تسير كل واحدة في جزيرتها المنعزلة، بتعبير حمودة نفسه. المهمة إذن لم تكن مستحيلة فحسب، بل كانت ضرورية.

الوعد.. رؤية لا تخلو من منطق، فالخطة التي طرحها شريف حمودة، ودعمها رئيس الحزب الدكتور السيد البدوي، لم تكن كلاما إنشائيا. دمج الجريدة الورقية والبوابة الإلكترونية والمركز الإعلامي في كيان واحد، تحديث صالة التحرير خلال خمسة عشر يوما، توسعة الاستوديوهات القديمة وإنشاء وحدات تصوير جديدة للبودكاست والبرامج السياسية والرياضية، والتحول التدريجي نحو صحافة الفيديو إلى جانب المكتوب، كل هذا يتماشى مع ما يفعله أي مؤسسة إعلامية تحاول أن تنجو من عصر انهيار الصحافة الورقية. وحين سئل حمودة عن أسباب الأزمة التي وجدها في المؤسسة، كان لافتا أنه لم يحمل الصحفيين والعاملين المسؤولية، بل وصفهم بأنهم ضحايا لظروف سابقة، متحدثا عن نقص حاد في الأجهزة والسيارات، وغياب إدارة تخطيط واضحة. هذا خطاب يبدو، في ظاهره، أقرب إلى “التنوير” الذي يراد له أن يكون شعارا للمرحلة، الاعتراف بالخلل كخطوة أولى نحو الإصلاح، لا البحث عن كبش فداء.

الوعود أيضا كانت سخية، التوسع لا الانكماش، وعدم المساس بأي صحفي أو موظف، واستيعاب جميع العاملين في الكيان الجديد. وعلى الورق، بدت هذه المقاربة مختلفة عن أنماط “الإصلاح بالتقشف” التي اعتادتها مؤسسات صحفية مصرية أخرى حين تختصر عملية التطوير في تخفيض الأجور والاستغناء عن العمالة.

ما له.. بلا مجاملة، وقبل الحديث عن التفاصيل التنفيذية، هناك ملاحظة أولية تستحق الذكر، مجرد الاقتراب من ملف مؤسسة بحجم “الوفد”، بتراكماتها المالية والإدارية العتيقة وحساسياتها الحزبية والنقابية، يتطلب جرأة لا يمتلكها كثيرون. فالخيار الأسهل دائما هو ترك الكيانات المتعثرة تسير بالقصور الذاتي نحو مزيد من التراجع، بدل الدخول في مواجهة مفتوحة مع ملفات ظلت لسنوات “مسكوتا عنها”. من هذه الزاوية، لا يمكن التعامل مع حمودة باعتباره موظفا عابرا جاء ليمضي مدة ويرحل، بل جاء بروح من يرفض قبول فكرة أن مؤسسة عريقة يمكن أن تترك لمصيرها، وهذه الجرأة في حد ذاتها نقطة تحسب له، حتى قبل الحكم على نتائجها.

وحتى لا يبدو الحديث عن العقبات وكأنه إسقاط لكل ما تم إنجازه، فمن الإنصاف تسجيل أن حمودة تحرك على أرض الواقع لا في الخطابات فقط. خلال أسابيع من توليه الملف، بدأ فعليا في توريد أجهزة حاسوب وكاميرات حديثة لصالة التحرير، ونقل العمل مؤقتا إلى مقر بديل لضمان استمرار صدور الجريدة أثناء التطوير، وهي خطوة تحسب له لأنها جنبت المؤسسة سيناريو التوقف الذي كان مطروحا كخيار في وقت من الأوقات، بل إن البدوي نفسه وصف فكرة إغلاق الجريدة بأنها “جريمة” في حق الإرث التاريخي، وهو ما يعني أن استمرار الصدور اليومي، رغم كل الأزمات، كان بحد ذاته إنجازا إداريا لا يمكن التقليل منه. كذلك فإن تشخيصه العلني لجذور الأزمة، حين حمل المسؤولية لسنوات من غياب التخطيط ونقص الإمكانيات بدلا من تحميلها للعاملين أنفسهم، يمثل موقفا نادرا نسبيا في بيئة إعلامية اعتادت البحث عن كبش فداء من الداخل بدلا من مواجهة الخلل البنيوي. رؤيته لدمج الجريدة والبوابة والمركز الإعلامي في كيان واحد أيضا ليست مجرد شعار، فمنطقها الإداري سليم، وتطبيقها، لو اكتمل بالفعل بلا تعثر، كان كفيلا بإنهاء حالة التشرذم التي أضعفت “الوفد” لسنوات طويلة قبل أن يتولى الملف. هذه خطوات تستحق أن تذكر لصاحبها، لا لأنها تبرر ما تلاها من احتقان، بل لأن الإنصاف يقتضي عدم اختزال أي مسؤول في لحظة أزمته الأخيرة فقط.

حين تتحول الخطة إلى أزمة يومية، ولكن ما بين الرؤية والتنفيذ، كانت هناك مسافة اتسعت شهرا بعد شهر. فبحلول منتصف يونيو، وجد اثنان وعشرون صحفيا أنفسهم أمام تحقيقات إدارية، ليس بسبب تقصير مهني، بل لأنهم اعترضوا على تأخر رواتبهم حتى منتصف الشهر، في وقت لم تتجاوز فيه أجور بعضهم ما بين ألفين وثلاثة آلاف جنيه شهريا، وهو رقم أقل من الحد الأدنى للأجور الذي يكفله القانون. لم يلغ قرار التحقيق إلا بعد تدخل مباشر من نقابة الصحفيين.

ثم جاء منتصف يوليو بقرار تنظيمي وصف بأنه أكثر القرارات صرامة منذ بدء عملية التطوير، منع الخروج من المؤسسة أثناء العمل إلا بمأموريات رسمية، تفعيل كاميرات المراقبة لمطابقة بصمة الحضور والانصراف، وإلزام الصحفيين بإثبات وجودهم داخل صالة التحرير كل ساعتين. صحفيون كثيرون اعتبروا هذا القرار غير متناسب مع طبيعة العمل الميداني الذي تقوم عليه المهنة أصلا، وامتد الخلاف إلى اتهامات متبادلة على منصات التواصل الاجتماعي بين الإدارة وبعض العاملين. الهيئة العليا للحزب، من جانبها، لوحت بإجراءات تأديبية وقانونية ضد من وصفتهم بالعناصر المحرضة على الإضراب غير القانوني، مع الإشارة إلى إمكانية إنهاء التعاقدات غير محددة المدة.

الذروة كانت في اجتماع طارئ للجنة النقابية للعاملين بالمؤسسة، طالب خلاله الصحفيون رئيس الحزب بالتدخل العاجل، ووضعوا في مقدمة مطالبهم إقالة الرئيس التنفيذي شريف حمودة نفسه، معتبرين أنه ساهم في تفاقم الأزمة بدلا من حلها. وهذا تحول لافت، من رجل جاء ليقود التطوير والتنوير المؤسسي، إلى شخصية باتت في قلب المطالب بالإقالة خلال أشهر معدودة.

والمفارقة الأساسية في ملف حمودة ليست في نواياه المعلنة، فهذه نوايا يصعب الطعن فيها من واقع تصريحاته، تحديث تقني، دمج مؤسسي، توسع لا انكماش. المشكلة تكمن في الفجوة بين خطاب الإصلاح من فوق وواقع التطبيق من تحت. فحين يتحدث المسؤول عن رؤية تكنولوجية طموحة بينما يعاني العاملون من تأخر رواتبهم عن الحد الأدنى القانوني، يصبح الحديث عن استوديوهات البودكاست والبرامج السياسية أشبه بترف بعيد عن هموم من يفترض أن يعملوا فيها. وحين يقابل الاعتراض على الأجور بتحقيقات إدارية بدلا من حوار، وتقابل المطالب المهنية بقيود رقابية صارمة، فإن أي خطاب تطويري يفقد مصداقيته أمام من يفترض أن يكونوا المستفيدين الأول منه.

كما أن جزءا من الأزمة، وهذا ما تشير إليه بعض التحليلات المتابعة للملف، ليس أزمة شخص بعينه بقدر ما هو أزمة مؤسسة تراكمت عليها عقود من غياب الحوكمة، بحيث إن أي مسؤول تنفيذي، مهما كانت خطته سليمة، سيصطدم بذات العقبات، بنية تحتية متهالكة، وموارد شحيحة، وثقافة إدارية مقاومة للتغيير، وصحفيون منهكون فقدوا الثقة في وعود الإصلاح المتكررة عبر السنين.

ثمة زاوية أخرى تستحق التوقف عندها، وهي خلفية حمودة نفسه. فالرجل الذي جاء من عالم الاستثمار والأعمال قبل أن يقتحم بوابة العمل الحزبي والإعلامي، يحمل معه بالضرورة أدوات تلك المدرسة، الأرقام، مؤشرات الأداء، الانضباط الصارم، وتعظيم العائد. وهي أدوات لها منطقها في إدارة المصانع والشركات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو، هل تصلح الإدارة الهندسية بالمعنى الصارم لإدارة كيان صحفي وثقافي؟

الصحافة، على عكس خط الإنتاج، مهنة تسكنها حساسية مفرطة تجاه الاستقلالية ورفض القيود الفوقية. وحين تفرض إجراءات ضبط الحضور والانصراف بالبصمة والكاميرات وكأن صالة التحرير خط تجميع، فإن الرسالة التي تصل للعاملين هي أن المؤسسة تدار بمنطق خط الإنتاج لا بمنطق العمل الإبداعي، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من حدة رد الفعل الذي قوبلت به تلك القرارات. والمفارقة أن البيروقراطية الصحفية والحزبية، خلافا للبيروقراطية الإدارية العادية، تمتلك مناعة صلبة وقدرة على المقاومة إذا شعرت أن التغيير يهدد هويتها المهنية أو استقرار أبنائها المعيشي، وهي مقاومة قد تتحول من عقبة خارجية تواجه المصلح إلى عقبة يصنعها المصلح نفسه بطريقة إدارته.

فالإنصاف يقتضي القول إن شريف حمودة لم يأت بخطة عشوائية، وأن بعض ما طرحه من أفكار حول دمج الكيانات وتحديث البنية التقنية يمثل تشخيصا صحيحا لمشكلة حقيقية عانت منها الوفد لسنوات. لكن الإنصاف نفسه يقتضي الاعتراف بأن التنفيذ اتسم، في محطات عدة، بمقاربة أمنية إدارية أقرب إلى الانضباط الفوقي منها إلى الحوار المؤسسي، وأن أزمة الأجور المتأخرة والتحقيقات مع المعترضين ليست تفصيلا هامشيا يمكن غض الطرف عنه أمام الرؤية الكبرى، بل هي جوهر ما يحدد نجاح أي تطوير من عدمه، هل تحسن حياة من يعملون في المؤسسة يوميا، أم يبقى إصلاحا فوقيا يقاس بعدد الاستوديوهات لا بعدد الرواتب المدفوعة في موعدها؟

بين هذين الخطين، خط الرؤية الطموحة وخط التطبيق المتعثر، تقف تجربة حمودة في الوفد اليوم عند مفترق طرق. لكن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نتذكر أن كل إصلاح حقيقي في أي مؤسسة متكلسة لا يمر بسلام، وأن من يجرؤ على لمس ملفات ظلت لعقود بعيدة عن أي مساءلة، لا بد أن يدفع ثمن هذه الجرأة من رصيده الشخصي قبل أن يجني ثمارها.

التاريخ لا يرحم المصلحين في لحظتهم، بل ينصفهم غالبا بعد رحيلهم، حين تتكشف حجم الفوضى التي ورثوها وحجم المقاومة التي واجهوها من مصالح تضررت من التغيير. وما بين صحفي يرى في القرار الحازم تعديا على حريته، وإدارة ترى في التراخي وصفة مؤكدة لانهيار كيان بأكمله، تبقى الكلمة الفصل لصالح من قرر أن يواجه بدل أن يهرب، وأن يبني بدل أن يترك الأنقاض تتراكم.

فالرجل لم يخترع أزمة الوفد، بل ورثها كاملة بتعقيداتها المتراكمة عبر سنين، وما يحسب عليه اليوم من حزم قد يكون غدا هو بالضبط ما أنقذ المؤسسة من مصير أشد قسوة: الاندثار الصامت الذي كان ينتظرها لو استمر التسويف والتردد لعقد آخر.

يوسف عبداللطيف يكتب: شريف حمودة في “الوفد”.. حين اصطدمت فوضى العصور القديمة بـ “حسم” الإدارة الحديثة

Exit mobile version