“لن تجدوا بعده باشا”، تلك كانت الجملة التي رددها كثيرون في أوساط السياسة المصرية يوم رحل فؤاد سراج الدين، وكأن مصر ودعت في مثل هذا اليوم عصرا بأكمله، لا رجلا واحدا فقط، فحين يموت آخر من يحمل لقبا، لا يموت اللقب وحده، بل يموت معه أسلوب في الحكم، ومدرسة في السياسة، ومعيار في الرجولة الوطنية كان يقاس به الساسة قبل أن تصبح المناصب مجرد كراس تشغل ولا تستحق، هكذا كان فؤاد باشا سراج الدين، ليس مجرد شاهد على قرن كامل من تاريخ مصر، بل صانعا لأخطر لحظاته وأشرفها،
اليوم، 9 أغسطس، تحل الذكرى السادسة والعشرون لرحيل رجل لم يكن مجرد وزير أو رئيس حزب، بل كان آخر حلقة في سلسلة ذهبية من رجال الدولة المصريين الذين جمعوا بين الأرستقراطية والوطنية، بين “البشاوية” كلقب اجتماعي و”الزعامة” كموقف سياسي، إنه فؤاد باشا سراج الدين، الرجل الذي يستحق عن جدارة أن يلقب ب”آخر باشوات مصر” و”آخر عمالقة السياسة المصرية”، فبرحيله طويت صفحة كاملة من تاريخ مصر الحديث، صفحة لم تتكرر ملامحها منذ ذلك اليوم،
من الإسكندرية إلى الإسماعيلية، جيل تربى على الكفاح، قد ولد فؤاد سراج الدين في نوفمبر 1911 لعائلة وفدية عريقة، ونشأ في كنف الزعيم مصطفى النحاس باشا، فتشرب منه الإيمان بأن لا بديل عن الديمقراطية ولا حلم يسبق الاستقلال، لم يكن سراج الدين سياسيا ولد في مكتب حزبي، بل كان محاميا ووكيلا للنائب العام قبل أن ينضم إلى الهيئة الوفدية وهو لا يزال في العشرينيات من عمره، ليصبح أصغر عضو يدخل مجلس النواب المصري عام 1936، ثم أصغر وزير في تاريخ مصر حين تولى وزارة المواصلات وهو في الحادية والثلاثين،
لكن الحدث الذي حفر اسمه في الذاكرة الجمعية للمصريين لم يكن في أروقة البرلمان، بل في شوارع الإسماعيلية، ففي 25 يناير 1952، وكان سراج الدين وزيرا للداخلية، أصدر أمره التاريخي لرجال الشرطة المصرية بألا يستسلموا لقوات الاحتلال البريطاني، وأن يقاوموا حتى آخر طلقة، كانت تلك اللحظة إعلانا بأن جهاز الشرطة المصري ليس أداة صامتة في يد المحتل، بل جزء من جسد الأمة المقاوم، ومن رحم تلك ملحمة، ولد عيد الشرطة المصرية الذي نحتفل به كل عام تخليدا لتلك البطولة،
سياسي لم تكسره السجون، وما يميز سراج الدين عن كثير من رجال جيله أنه لم يكن سياسي مناصب فحسب، بل سياسي مواقف دفع ثمنها غاليا، فبعد ثورة 1952، لم يسلم من بطش النظام الجديد رغم أنه، بحسب شهادات تاريخية، كان على علم ببعض تحركات الضباط الأحرار ولم يش بهم، اعتقل مرارا، في 1952، وفي 1953 لمحاكمته أمام محكمة الثورة والحكم عليه بالسجن خمسة عشر عاما قبل أن يفرج عنه، ثم في 1961 و1965 و1967، سلسلة من الاعتقالات كانت كفيلة بأن تكسر إرادة أي رجل، لكنها لم تنل من صلابة سراج الدين ولا من إيمانه بأن السياسة رسالة لا تشترى بالمناصب ولا تباع بالسجون،
وزير يسبق عصره، إرث تشريعي لا ينسى، وما يكشف عن العمق الحقيقي لشخصية فؤاد سراج الدين أنه لم يكن رجل مواقف بطولية فقط، بل كان رجل دولة بالمعنى الكامل للكلمة، ترك بصمة تشريعية واقتصادية لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
فحين تولى وزارة المالية، لم يتردد في فرض ضرائب تصاعدية على كبار ملاك الأراضي الزراعية، في خطوة جريئة كشفت أنه، على عكس ما راج عنه، لم ينحز لطبقته الأرستقراطية بقدر ما انحاز لمبدأ العدالة الاجتماعية، وفي عام 1943، وهو وزير للشؤون الاجتماعية، أصدر قوانين العمال وقوانين النقابات العمالية، ونظم عقد العمل الفردي والضمان الاجتماعي، في وقت كانت فيه حقوق الطبقة العاملة المصرية شبه غائبة عن التشريع،
كما ينسب إليه قرار تأميم البنك الأهلي المصري وتحويله إلى بنك مركزي، وهي خطوة سبقت زمنها في بناء منظومة مالية وطنية مستقلة، وحين شغل وزارة الزراعة، انتهج سياسة لامركزية غير مسبوقة، حرص فيها على أن تصل خدمات الوزارة وإرشاداتها إلى الفلاحين في قراهم، بدلا من إرهاقهم برحلة إلى القاهرة، وهي رؤية إدارية متقدمة على عصرها بعقود، وحين أتاح الرئيس أنور السادات هامشا للتعددية الحزبية في أواخر السبعينيات، لم يتردد سراج الدين في إحياء حزب الوفد التاريخي عام 1978 تحت اسم “الوفد الجديد”، ليعيد للساحة السياسية المصرية صوتا ليبراليا معارضا كانت تفتقده منذ عقود،
لم تكن تلك مغامرة سهلة في زمن كانت المعارضة فيه محفوفة بالمخاطر، لكنه فعلها لأنه ببساطة لم يعرف طريقا آخر غير طريق العمل العام، لم يكن لقب “الباشا” الذي التصق باسم فؤاد سراج الدين مجرد بقايا من عصر انقضى، بل كان أسلوب حياة ومنظومة قيم، الوقار في التعامل، والصرامة في الموقف، والولاء المطلق للوطن قبل كل اعتبار، عاش حتى شهد نهاية القرن العشرين، وهو الرجل الذي عاصر الملكية والثورة والانفتاح، ورأى مصر تتغير أمام عينيه مرات ومرات، دون أن يتغير هو عن قناعاته الأساسية،
رحل فؤاد باشا سراج الدين في 9 أغسطس 2000 عن عمر ناهز التسعين عاما، لكنه ترك خلفه إرثا لا يزال حاضرا كلما تحدثنا عن الوطنية الحقيقية، وعن معنى أن يكون السياسي رجل مبدأ لا رجل منصب، واليوم، ونحن نستعيد ذكراه، لا نستعيد فقط اسما في كتب التاريخ، بل نستعيد سؤالا لا يزال معلقا، هل يمكن أن تنجب مصر جيلا آخر من أمثاله، أم أن فؤاد سراج الدين سيظل، كما لقب، آخر باشوات مصر وآخر عمالقة سياستها،
واليوم، بعد ست وعشرين عاما على رحيله، حين نستعرض المشهد السياسي المصري ونبحث عمن يملأ فراغ “الباشا”، نكتشف أن السؤال نفسه أصبح أشد إيلاما من إجابته، لم يعد الأمر متعلقا بمن يخلف فؤاد سراج الدين، بل بمن يجرؤ أصلا على أن يكون مثله، فبين رجل قال “لا” لاحتلال أجنبي وهو وزير، ورجال آخرون قالوا “نعم” لكل شيء طلبا للبقاء، تكمن المسافة التي تفصل بين “الباشا” و”الموظف”، بين “الزعيم” و”صاحب المنصب”، وتظل مصر، كلما ضاقت بها السبل، تلتفت إلى الخلف بحثا عن رجل كفؤاد سراج الدين، فلا تجد إلا الذكرى
يوسف عبداللطيف يكتب: مات آخر باشوات مصر وعمالقة سياستها

