أهم الأخبارعرب و عالم

حين يصبح المصري بالخارج شريكًا.. كيف يعيد مجلس الشباب المصري تعريف ملف المصريين بالخارج؟

 

كتبت _ نجوى ابراهيم

ماذا يريد المصري في الخارج من وطنه؟ وماذا يمكن أن يقدم لوطنه؟ ربما تبدو الإجابة التقليدية معروفة: خدمات يحتاج إليها، ومشكلات يريد حلها، وتحويلات تدعم أسرته واقتصاد بلده.

لكن هذه الإجابة، رغم أهميتها، لم تعد كافية لوصف علاقة تجمع ملايين المصريين المنتشرين في أنحاء العالم بوطنهم.

من هنا تأتي أهمية الرؤية التي يطرحها مجلس الشباب المصري في تعامله مع ملف المصريين بالخارج، والتي عبّر عنها الدكتور محمد ممدوح، رئيس مجلس أمناء المجلس، بوضوح في منشور عبر صفحته الشخصية على فيسبوك عقب اللقاء الذي جمع قيادات مصرية من عدد من الدول.

ما كتبه الدكتور محمد ممدوح لا يبدو مجرد تعليق على خطوة جديدة، بقدر ما يكشف عن محاولة لإعادة النظر في طبيعة العلاقة نفسها؛ علاقة لا يكون فيها المصري بالخارج مجرد مستفيد من خدمات أو مصدر للتحويلات، وإنما شريكًا يمتلك خبرة ومعرفة وقدرة على الإضافة.

وهنا تبدأ الفكرة من سؤال أكثر اتساعًا: لماذا لا تنتقل العلاقة مع المصريين بالخارج من مجرد التواصل إلى المشاركة؟

التواصل مع المصريين بالخارج ليس جديدًا، لكن الجديد في الطرح هو محاولة تحويل هذا التواصل إلى مسار مستدام للمشاركة، فالتواصل قد يأخذ شكل لقاء أو مؤتمر أو مناسبة أو استجابة لمشكلة، ثم ينتهي بانتهاء الحدث، أما المشاركة فتفترض علاقة مستمرة يستمع فيها المصري بالخارج، ويطرح رؤيته، ويناقش أولوياته، ويقدم خبرته، ويشارك في المبادرات التي يمكن أن تخدمه وتخدم وطنه.

ولهذا تبدو العبارة التي كتبها الدكتور محمد ممدوح: «ألا نتحدث عن المصريين بالخارج من دون المصريين بالخارج»، مفتاحًا مهمًا لفهم هذه الرؤية.

فالمقصود ليس فقط الاستماع إلى المصريين في الخارج، وإنما أن يكونوا جزءًا من صياغة الحديث عنهم، ما أولوياتهم؟ ما التحديات التي يواجهونها؟ ما الذي تغير في احتياجاتهم؟ وما الذي يستطيعون تقديمه لمصر من خلال خبراتهم وتجاربهم؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من الداخل وحده.

والزاوية الأخرى التي يلفت إليها طرح الدكتور  محمد ممدوح هي إعادة النظر في قيمة المصري بالخارج، فعندما يتحدث عن ملايين المصريين حول العالم، بينهم علماء وأطباء ومهندسون وخبراء ورجال أعمال ومهنيون وشباب، فهو لا يقدم مجرد وصف ديموغرافي للمصريين في الخارج، وإنما يضع أمامنا قيمة بشرية ومعرفية واسعة لم تستثمر بالكامل.

هؤلاء لا يحملون فقط احتياجات مرتبطة بالإقامة والعمل والأوراق والخدمات، ولا تنحصر علاقتهم بمصر في الأموال التي يرسلونها إلى أسرهم.

هم أيضًا يحملون خبرات اكتسبوها من أنظمة تعليم مختلفة، وأسواق عمل متنوعة، ومؤسسات وتجارب إدارية واقتصادية ومهنية لا تتوافر بالضرورة داخل البيئة المصرية بالصورة نفسها.

وهنا تصبح خبرة المصري في الخارج موردًا وطنيًا يمكن الاستفادة منه، فالمطلوب ليس فقط أن نحل مشكلاته، وإنما أن نسأل أيضًا: كيف نستفيد من خبرته؟ وكيف نربطها بنظيرتها في الداخل؟ وكيف تتحول هذه الخبرات المتناثرة في عشرات الدول إلى شبكة معرفية ومهنية يمكن أن تضيف إلى مصر؟

وهذا هو الفارق بين النظر إلى المصري بالخارج كـ«ملف» والنظر إليه باعتباره جزءًا من رأس المال البشري المصري الممتد خارج الحدود.

من هنا تأتي فكرة تشكيل لجان تنسيقية في عدد من الدول، والتي لا ينبغي أن تقاس أهميتها بعددها أو بأسماء المشاركين فيها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المصريين في أماكن وجودهم، وتوسيع دائرة الاستماع والمشاركة.

فالمصري بالخارج ليس صوتًا واحدًا، هناك اختلاف في الدول، وفي طبيعة العمل، وفي الأوضاع الاجتماعية، وفي الأجيال، وفي الخبرات، وفي التحديات.

والمصري الذي يعيش في أوروبا قد تكون لديه أولويات مختلفة عن المصري الموجود في الخليج، والشاب الذي بدأ حياته المهنية في الخارج يختلف في احتياجاته عن صاحب الخبرة الذي أمضى عقودًا هناك.

ولهذا فإن أي مسار جاد يحتاج إلى أن يسمع هذه الأصوات المختلفة، لا أن يكتفي بمن يمثلون الجاليات أو من اعتادوا الظهور في المشهد العام، والأهم أن تكون اللجان وسيلة للتنسيق والعمل، لا مجرد كيانات إضافية إلى قائمة الكيانات الموجودة بالفعل.

فرئيس مجلس الشباب المصري كان واضحًا في أن الهدف ليس إنشاء إطار شكلي جديد، وإنما بناء مساحة مشتركة تستفيد من المؤسسات والقيادات والكفاءات الموجودة، وتفتح الباب أمام دوائر أوسع للمشاركة.

لكن أكثر جوانب الرؤية حساسية ربما يتعلق بأبناء الجيلين الثاني والثالث، فهؤلاء يمثلون مستقبل العلاقة بين مصر وأبنائها في الخارج، والسؤال هنا لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نحافظ على انتمائهم؟ بل السؤال الأكثر واقعية: كيف نجعلهم يشعرون بأن لهم مكانًا حقيقيًا في وطنهم؟

الشاب المصري الذي ولد في أوروبا أو الخليج أو أمريكا أو أستراليا لم يعش التجربة المصرية بالطريقة نفسها التي عاشها والداه.

هو يعرف مصر من خلال الأسرة والزيارات والذكريات، لكنه في الوقت نفسه نشأ في مجتمع آخر، وتعلم في نظام آخر، وبنى علاقاته داخل بيئة مختلفة.

ولهذا فإن الحفاظ على علاقته بمصر لن يكون بالشعارات وحدها، سيكون عندما يشعر بأن مصر تراه، وأن لديها مساحة له، وأن خبرته مطلوبة، وأن صوته مسموع، وأن بإمكانه أن يشارك في مستقبلها.

وهنا تتحول المشاركة إلى وسيلة لبناء الانتماء نفسه، فبدلًا من أن نقول للجيل الجديد «لا تنسوا مصر»، يمكن أن نفتح له بابًا حقيقيًا ليكون جزءًا منها.

ومن هذه النقطة يمكن فهم عبارة أخرى محورية في رؤية رئيس مجلس الشباب المصري وهي أن المصريين بالخارج «جزء من قوة مصر خارج حدودها»، القوة هنا لا تعني العدد فقط، وإنما تعني شبكة واسعة من الخبرات والعلاقات والمعارف.

طبيب مصري يعمل في مؤسسة دولية، وباحث في جامعة، ومهندس في شركة عالمية، ورجل أعمال يتعامل مع أسواق جديدة، وخبير يعرف طبيعة مجتمع مختلف، وشاب نشأ بين ثقافتين؛ كل هؤلاء يمتلكون معرفة يمكن أن تكون ذات قيمة لمصر.

لكن هذه القوة تظل موزعة ما لم توجد آلية تصل بينها، ولهذا يصبح الربط بين الكفاءات المصرية بالخارج ونظرائهم في الداخل أحد المسارات المهمة التي يمكن البناء عليها؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط باستدعاء خبرة فردية، وإنما بخلق جسر مستمر للمعرفة والخبرة والتجربة.

وهنا تظهر أهمية أن يكون العمل «مسارًا» وليس مجرد «فعالية»، فممدوح يقول بوضوح إنه لا يريد مؤتمرًا «ونخلص»، ولا فعالية «تتصور وتنتهي»، ولا لجانًا تحمل أسماء كبيرة من دون دور حقيقي.

هذه ليست ملاحظة تنظيمية فقط، وإنما تعكس معيارًا أساسيًا لنجاح الفكرة: الاستمرارية والأثر.

فاللقاء يمكن أن يبدأ الحوار، لكنه لا يصنع وحده مشاركة، واللجنة يمكن أن تنظم التواصل، لكنها لا تحقق الهدف إذا لم يكن لها عمل، والاستماع لا يصبح ذا قيمة إذا لم ينتج عنه شيء يمكن البناء عليه.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للمسار سيبدأ بعد اللقاءات الأولى: ماذا سمع؟ ماذا جمع؟ ماذا اقترح؟ ماذا نفذ؟ وما الذي وصل بالفعل إلى الجهات والمؤسسات المعنية؟فأن يسمع المصري بالخارج أن صوته مهم شيء، وأن يرى أثر هذا الصوت شيء آخر، إذا تحدث المصريون عن مشكلة، يجب أن يكون هناك مسار لمعرفة ما إذا كانت تحتاج إلى تدخل أو دراسة أو تغيير في إجراء، وإذا طرحوا فكرة، يجب أن توجد آلية لبحث إمكانية تنفيذها.

وإذا ظهرت خبرة متميزة، يجب أن يكون هناك طريق لربطها بالجهة التي يمكن أن تستفيد منها، عند هذه النقطة فقط يتحول الاستماع إلى مشاركة مؤثرة.

وهذا ما يجعل فكرة المسار الوطني أوسع من مجرد التواصل مع الجاليات؛ فهي محاولة لبناء دائرة تبدأ بالاستماع، ثم الحوار، ثم جمع الأفكار والخبرات، ثم تحويل الممكن منها إلى مبادرات وبرامج وتوصيات وشركات،وفي جوهرها، لا تتحدث هذه الرؤية عن تغيير اسم أو شكل ملف المصريين بالخارج، وإنما عن تغيير طريقة التفكير فيه،من المصري بالخارج الذي نبحث عن وسيلة للتواصل معه، إلى المصري الذي نريد أن نعمل معه،ومن الخدمات والتحويلات باعتبارها جوهر العلاقة، إلى المعرفة والخبرة والمشاركة باعتبارها جزءًا أساسيًا منها،ومن النظر إلى الجاليات ككيانات منفصلة، إلى النظر إلى المصريين بالخارج باعتبارهم شبكة بشرية ومعرفية تمتد عبر العالم،ومن مطالبة الجيل الثاني والثالث بالحفاظ على صلته بمصر، إلى إعطائه سببًا حقيقيًا لهذه الصلة، ومن اللقاء الذي ينتهي بانتهاء المناسبة، إلى المسار الذي يستمر ويقيس أثره.

لهذا تبدو الفكرة التي يطرحها مجلس الشباب المصري أكبر من مذكرة تفاهم أو تشكيل لجان، إنها محاولة للإجابة عن سؤال ظل حاضرًا في ملف المصريين بالخارج: كيف يمكن أن تتحول العلاقة مع ملايين المصريين المنتشرين حول العالم من علاقة تقوم على التواصل معهم إلى علاقة تقوم على العمل معهم؟

الإجابة التي يطرحها ممدوح تبدو واضحة في اتجاهها، وإن كانت تحتاج إلى عمل طويل حتى تثبت نفسها: أن المصريين بالخارج ليسوا ملفًا منفصلًا عن الداخل، وليسوا مجرد تحويلات مالية، وليسوا مجرد جاليات تعيش خارج الحدود، إنهم جزء من المجتمع المصري، امتدت خبراته وقدراته إلى العالم.

وإذا أمكن الوصول إلى هذه القوة، والاستماع إليها، وربطها ببعضها، وفتح أبواب المشاركة أمامها، فإن المستفيد لن يكون المصري في الخارج وحده،مصر نفسها ستكون أمام قوة جديدة يمكن أن تعمل معها، لا مجرد ملف تتحدث عنه.

زر الذهاب إلى الأعلى