Site icon بوابة العمال

حادث الإسماعيلية يكشف ما وراء الطريق.. اتحاد العمال يطرح رؤية متكاملة لحماية العامل وتشديد الرقابة على التشغيل والنقل

 

كتبت _ نجوى ابراهيم

لم يتعامل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، مع حادث طريق الدواويس بمحافظة الإسماعيلية باعتباره حادثًا مروريًا عابرًا تنتهي تداعياته بتقديم واجب العزاء وصرف التعويضات ودفن الضحايا، وإنما قرأ الحادث باعتباره جرس إنذار يعيد إلى الواجهة مجموعة من الملفات المتشابكة، في مقدمتها سلامة نقل العمال، وحماية العمالة غير المنتظمة، وتشغيل الأطفال، ومسؤولية أصحاب الأعمال والجهات المعنية عن توفير وسيلة انتقال آمنة للعامل.

البيان الصادر عن الاتحاد، برئاسة عبدالمنعم الجمل، حمل رسالة واضحة مفادها أن حماية العامل لا تبدأ بعد وقوع الحادث، وإنما يجب أن تبدأ قبل تحركه من منزله إلى موقع العمل، وأن الحق في العمل وكسب الرزق لا يمكن أن ينفصل عن الحق في العودة إلى الأسرة سالمًا.

هذه هي النقطة التي ينطلق منها الاتحاد في رؤيته، فسلامة العامل على الطريق ليست شأنًا مروريًا منفصلًا عن العمل، وإنما امتداد مباشر لحقه في بيئة عمل آمنة، ولذلك فإن حماية العامل يجب ألا تبدأ عند بوابة المصنع أو موقع العمل، بل قبل ذلك، منذ اللحظة التي يستقل فيها وسيلة النقل متجهًا إلى عمله.

ويؤكد عبدالمنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، أن ما يطرحه الاتحاد لا يستهدف التعامل مع حادث الإسماعيلية باعتباره حالة منفردة، وإنما يريد تحويله إلى نقطة انطلاق لمراجعة منظومة كاملة ظلت لسنوات تتعامل مع نقل العمال باعتباره مسألة انتقال، بينما هو في الحقيقة جزء من منظومة السلامة والصحة المهنية.

ويقول الجمل إن فلسفة الاتحاد في هذا الملف تقوم على أن العامل ليس رقمًا في قوة العمل، ولا تكلفة تشغيل، ولا رقمًا يضاف إلى إحصاءات الضحايا، وإنما إنسان له حق أصيل في الحياة والعودة إلى أسرته سالمًا. ولذلك فإن الهدف من مطالب الاتحاد ليس زيادة الأعباء على أصحاب الأعمال، وإنما وضع قواعد واضحة تحمي العامل وتحدد المسؤولية قبل أن تتحول المخالفة إلى مأساة.

ومن هنا يأتي مطلب المراجعة الشاملة لمنظومة نقل العمال، خصوصًا العمالة اليومية وغير المنتظمة، باعتبارها الفئة الأكثر احتياجًا إلى مظلة حماية واضحة.

فالانتقال إلى موقع العمل لا ينبغي أن يظل مساحة رمادية لا يعرف فيها العامل من المسؤول عن المركبة، ومن يتحمل مسؤولية صلاحيتها، ومن يراقب عدد الركاب، ومن يتأكد من كفاءة السائق والتزامه بقواعد القيادة والراحة.

ويرى الاتحاد أن مراجعة المنظومة يجب أن تبدأ من المركبة نفسها ومدى صلاحيتها الفنية، وتمر بالسائق وكفاءته والتزامه، ولا تنتهي قبل التأكد من أعداد الركاب وظروف النقل ومسؤولية الجهة التي وفرت وسيلة الانتقال، فكل حلقة من هذه الحلقات يمكن أن تكون سببًا في إنقاذ حياة، كما أن إهمال أي منها قد يفتح الطريق أمام كارثة جديدة.

ويكشف البيان كذلك عن رؤية أكثر اتساعًا لمسألة العمالة غير المنتظمة، فالاتحاد لا يفصل بين تنظيم هذه العمالة وبين سلامة انتقالها، لأن العامل الذي لا تحظى علاقته التشغيلية بالوضوح قد يكون أكثر عرضة لأن يقع خارج دائرة الرقابة، سواء فيما يتعلق بظروف العمل أو التأمين أو وسيلة الانتقال.

ولهذا يطالب الاتحاد بمراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة بالتوازي مع مراجعة نقل العمال، والتأكد من وجود قواعد واضحة تحدد الجهة المسؤولة عن تشغيل العامل ونقله، بما يمنع أن تتحول طبيعة العمل اليومية أو غير المنتظمة إلى مبرر لغياب الحماية.

لكن الحادث فتح أمام الاتحاد ملفًا آخر لا يقل خطورة، وهو عمالة الأطفال، بعدما أشار إلى وجود أطفال بين من كانوا في سيارات نقل العمال، وهنا ينتقل النقاش من سلامة الطريق إلى سلامة الطفولة نفسها؛ فالطفل الذي كان يجب أن يكون في مقعد الدراسة أو في ساحات اللعب وجد نفسه في طريق العمل، وربما في وسيلة نقل لا تتوافر فيها شروط الحماية الكافية.

ويتعامل الاتحاد مع هذه المسألة باعتبارها قضية تتجاوز مجرد مخالفة تشغيل طفل دون السن القانونية، إنها في جوهرها، قضية حق في التعليم والحماية والرعاية، وقضية تتطلب مواجهة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي قد تدفع بعض الأسر إلى إخراج أطفالها إلى سوق العمل.

وهنا شدد الجمل، على أن حماية الطفل العامل لا يمكن أن تترك للأسرة وحدها، لأن المسؤولية تبدأ أيضًا عند صاحب العمل وكل طرف يقبل تشغيل طفل أو يسمح بنقله إلى موقع العمل، فضلًا عن مسؤولية الجهات الرقابية عن اكتشاف هذه الحالات ومنع استمرارها.

وفي هذا السياق، يرى الاتحاد أن الرقابة يجب ألا تنتظر وقوع حادث حتى تكشف وجود أطفال في مواقع العمل أو وسائل نقل العمال، وإنما يجب أن تكون هناك آليات استباقية للتأكد من أعمار العمال، ومراجعة بيانات التشغيل، وتشديد التفتيش على القطاعات التي ترتفع فيها احتمالات تشغيل الأطفال.

ورغم تعدد الملفات التي يفتحها البيان، فإن الاتحاد لا يقدمها باعتبار أن الدولة تبدأ من نقطة الصفر، بل يشير إلى ما شهدته السنوات الماضية من تطوير للبنية الأساسية وشبكات الطرق، وتعزيز لمنظومة السلامة والصحة المهنية، إلى جانب صدور تشريعات جديدة لتنظيم علاقات العمل، ومنها قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 وما تضمنه من أحكام تتعلق بتشغيل الأطفال.

كما يقدر الاتحاد اهتمام الرئيس عبدالفتاح السيسي بملف حماية العامل وتوفير بيئة عمل آمنة، وما ارتبط بذلك من توجه لإعداد استراتيجية وطنية شاملة للسلامة والصحة المهنية، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في وجود التشريع أو صدور التوجيهات، وإنما في ضمان أن تصل هذه المنظومة إلى أرض الواقع.

وهنا يظهر جوهر رؤية الاتحاد بوضوح: أن مصر لديها تشريعات وسياسات وخطوات مهمة، لكن المطلوب الآن هو الانتقال من النص إلى التطبيق، ومن الاستجابة للحادث إلى منع أسبابه، ومن محاسبة المسؤول بعد وقوع الكارثة إلى تحديد المسؤوليات قبل وقوعها.

ولهذا طالب الاتحاد بآلية واضحة للمحاسبة، بحيث لا ينتهي التحقيق عند توصيف الحادث باعتباره واقعة مرورية، وإنما يتم تحديد كل طرف كانت له مسؤولية في التشغيل أو النقل أو توفير المركبة أو الرقابة عليها، ومحاسبة من يثبت تقصيره أو مخالفته للقانون.

فالهدف، كما يراه الاتحاد، ليس البحث عن طرف يعاقب بعد كل حادث، وإنما بناء منظومة تجعل كل طرف يعرف مسؤوليته مسبقًا، ويدرك أن الإخلال بسلامة العامل ليس مخالفة عابرة، وإنما مسؤولية قد تترتب عليها حياة إنسان.

ومن هذا المنطلق، يدعو الاتحاد إلى عقد ورشة عمل وطنية عاجلة تضم الحكومة والجهات المعنية ووزارات العمل والنقل والداخلية، إلى جانب النقابات وأصحاب الأعمال والمتخصصين، لوضع حلول عملية لنقل العمال ومراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة وتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال.

ويريد الاتحاد لهذه الورشة أن تكون بداية لعمل مستمر، لا مجرد اجتماع جديد يعقبه بيان، ولكن المطلوب وفق رؤيته، هو وضع قواعد قابلة للتنفيذ، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات للمتابعة وقياس النتائج، حتى يصبح منع الحوادث جزءًا من سياسة دائمة.

ويؤكد عبدالمنعم الجمل أن الاتحاد يريد أن تتحول هذه القضية إلى سياسة مستدامة، لا إلى تحرك مؤقت تفرضه حادثة مؤلمة، مشددًا على أن الحركة النقابية لا يمكن أن تنتظر سقوط ضحايا جدد حتى تعيد طرح الملف مرة أخرى.

وفي جوهر رؤيته، يطرح الاتحاد مفهومًا أوسع لعلاقة العمل؛ فالعامل ليس مجرد عنصر إنتاج أو تكلفة تشغيل، وإنما إنسان له حق أصيل في الحياة والسلامة والكرامة.

وبالتالي فإن تكلفة توفير وسيلة نقل آمنة لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها عبئًا إضافيًا على صاحب العمل، وإنما باعتبارها جزءًا من تكلفة التشغيل ومسؤولية قانونية وأخلاقية في الوقت نفسه.

كما أن مكافحة عمالة الأطفال لا ينبغي أن تختزل في توقيع العقوبة بعد اكتشاف المخالفة، وإنما يجب أن تمتد إلى بناء منظومة قادرة على اكتشاف الطفل قبل دخوله سوق العمل، وربط الحماية الاجتماعية والتعليمية بالجهود الرامية إلى منع تسرب الأطفال إلى سوق العمل.

وتكشف هذه الرؤية عن رغبة الاتحاد في التعامل مع الحادث من جذوره، وليس مع نتائجه فقط؛ فسلامة الطريق، وسلامة المركبة، وسلامة السائق، وقانونية التشغيل، وحماية الطفل، وتنظيم العمالة غير المنتظمة، وتحديد المسؤولية، كلها حلقات في سلسلة واحدة.

ولهذا يضع الاتحاد العام لنقابات عمال مصر سلامة العمال على الطرق ضمن أولويات الحركة النقابية، داعيًا إلى بناء منظومة وطنية تجعل الوقاية هي القاعدة، وليس الاستجابة بعد وقوع الكارثة.

أما حادث الإسماعيلية، الذي دفع الاتحاد إلى إصدار بيانه، فقد وقع على طريق الدواويس بالمحافظة وأسفر عن وفاة عدد من العمال وإصابة آخرين أثناء توجههم إلى أعمالهم، ليعيد إلى الواجهة بصورة مؤلمة قضية نقل العمال، وما يرتبط بها من تساؤلات حول سلامة وسائل الانتقال وظروف العمالة اليومية وغير المنتظمة، فضلًا عن خطورة وجود أطفال بين العاملين.

وبالنسبة للاتحاد، فإن خلفية الحادث ليست خاتمة القصة، وإنما بدايتها؛ لأن السؤال الأهم بعد سقوط الضحايا ليس فقط كيف وقع الحادث، وإنما ماذا يمكن أن يتغير حتى لا يتكرر، فالتعويض يأتي بعد أن تقع الخسارة، والمحاسبة تأتي بعد أن تُزهق الأرواح، أما السياسة الأكثر إنسانية وعدلًا فهي أن تمنع الخسارة من الأساس.

وهنا تختصر عبارة الاتحاد جوهر رسالته: دم العامل ليس تعويضًا ماليًا.. وحياة العامل ليست رقمًا في محضر حادث.. والعمل من أجل لقمة العيش لا يجب أن يكون طريقًا إلى الموت.

Exit mobile version