تقرير – يوسف عبداللطيف
مواطن يشحن كارت الكهرباء، فيجد الرصيد “يتبخر” في أيام معدودة، آخر يفتح تطبيق الشحن الإلكتروني ليكتشف أن جزءا من فلوسه اقتطع تحت بند “مديونية” لم يسمع عنها من قبل.
ثالث ينتظر دوره أمام شباك مركز الشحن ليفاجأ بأن التعريفة تغيرت بين شحنة وأخرى دون أي إخطار رسمي، هذه ليست حكايات متفرقة، بل مشهد يتكرر يوميا في بيوت مصرية من أقصى الدلتا إلى أقصى الصعيد، منذ أن قررت الدولة توحيد سعر الكهرباء على عدادات الكارت والعدادات الكودية دفعة واحدة.
قصة بدأت بتغريدات غاضبة وتعليقات متناثرة على السوشيال ميديا، وتحولت خلال أسابيع قليلة إلى أزمة تتصدر جلسات البرلمان وقاعات القضاء، وتعيد فتح ملف حساس في العلاقة بين المواطن والدولة “فاتورة الكهرباء”.
ترصد بوابة “العمال” الإخبارية شكاوى المواطنين المتكررة على السوشيال ميديا حول واحدة من أكثر الملفات سخونة في الشارع المصري خلال 2026
المشهد: عداد “مسبق الدفع” يفاجئ أصحابه بمديونية
من المفترض أن عداد الكارت أو “العداد الكودي” وجد أصلا لحماية المواطن من المفاجآت: يشحن رصيدا، يستهلكه، ولا شيء يتراكم عليه.
لكن في الأشهر الأخيرة تحول هذا المنطق رأسا على عقب، آلاف المشتركين في محافظات مختلفة فوجئوا، عند شحن العداد، برسالة مقتطعات أو “مديونية” تلتهم جزءا كبيرا من قيمة الشحن، رغم أنهم – بحسب شكاواهم – سددوا التزاماتهم أولا بأول.
القصة بدأت كشكوى فردية متناثرة على منصات التواصل الاجتماعي، ثم تحولت خلال أسابيع إلى أزمة تشغل البرلمان والحكومة معا.
وتضيف الشكاوى المتكررة بعدا فنيا لصورة الأزمة؛ يشير المتضررون إلى أن الانتقال التلقائي للشرائح مع بداية كل شهر ميلادي يمثل “صدمة مالية” مفاجئة للمستهلك البسيط، حيث يرتفع سعر الكيلووات لكل ساعة بشكل تصاعدي سريع، مما يؤدي إلى ابتلاع الرصيد في أيام معدودة، فضلا عن غياب الشفافية في قراءة تفاصيل الرصيد المتبقي بدقة عبر الشاشة الرقمية للعداد.
من جانبه، يوضح خبراء قطاع الطاقة أن جزءا من الأزمة يعود إلى عدم إدراك بعض المواطنين لطبيعة شرائح الاستهلاك وكيفية حساب الفروق التراكمية الخاصة بالمشتركات القديمة، مؤكدين في الوقت ذاته ضرورة قيام شركات توزيع الكهرباء بتكثيف التوعية الميدانية وإطلاق حملات إرشادية تفصيلية، فضلا عن إتاحة خاصية الاستعلام اللحظي عبر التطبيقات الذكية لمعرفة تفاصيل الخصم بدقة وتجنب التلاعب أو الأخطاء التقنية.
جذور الأزمة: من “حل مؤقت” إلى معضلة تمس الملايين
العدادات الكودية (مسبقة الدفع) ليست تقنية جديدة كليا في مصر؛ فقد بدأت وزارة الكهرباء التوسع فيها منذ نهاية عام 2014 كجزء من خطة التحول من العدادات التقليدية إلى نظام الدفع المسبق، وبحلول عام 2020 كان قد تم تركيب أكثر من 9 ملايين عداد من هذا النوع على الشبكة القومية، وفق تصريحات سابقة لوزير الكهرباء الأسبق محمد شاكر.
فهناك فاصل مهم للقارئ، حيث يخلط التداول الإعلامي والشعبي أحيانا بين نوعين مختلفين قانونيا وفنيا، الأول هو “العداد مسبق الدفع” التقليدي (عداد الكارت)، وهو منظومة عامة تشمل ملايين الوحدات السكنية القانونية منذ انطلاق خطة التحول عام 2014، وتخضع لنظام الشرائح المعتاد نفسه المطبق على العدادات العادية.
أما الثاني فهو “العداد الكودي” تحديدا، وهو فئة فرعية مختلفة، خصصت حصرا للعقارات المخالفة وغير المرخصة التي لم تستكمل بعد إجراءات التصالح.
وأزمة التسعير الموحد الحالية تخص هذا النوع الثاني تحديدا، لا العدادات مسبقة الدفع القانونية بشكل عام – وهو تمييز ضروري لفهم أبعاد الأزمة الحقيقية ونطاقها.
لكن الشريحة الأكبر من الجدل الحالي تخص نوعا محددا من هذه العدادات؛ “العداد الكودي” المخصص للعقارات المخالفة وغير المرخصة أو التي لم تستكمل بعد إجراءات “التصالح” في مخالفات البناء.
فبدلا من قطع الكهرباء عن هذه الوحدات تماما، لجأت الدولة إلى تركيب عداد كودي كحل وسط يتيح التيار الكهربائي مع تقييد الخدمات الأخرى، على أن يتحول العداد إلى “قانوني” فور تقنين وضع العقار.
وقد أوضح مسؤولون حكوميون أن الإجراء القانوني الطبيعي في حالة المخالفات هو الإزالة وعدم توصيل المرافق، إلا أن الدولة راعت الجانب الاجتماعي فلجأت لهذا الحل المؤقت.
المشكلة أن هذا “المؤقت” امتد لسنوات طويلة بالنسبة لملايين الأسر، بعضها يحمل عدادات كودية منذ عام 2018 أو قبله، دون أن تكتمل إجراءات التصالح أو تقنين الأوضاع.
الرقم الذي فجر الغضب: 2.74 جنيه للكيلووات دفعة واحدة
الشرارة الفعلية للأزمة الحالية اندلعت مطلع أبريل 2026، حين طبقت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة نظام محاسبة موحدا على جميع العدادات الكودية بسعر 2.74 جنيه لكل كيلووات في الساعة، بصرف النظر عن حجم الاستهلاك.
القرار ألغى فعليا نظام الشرائح التصاعدي الذي كان يراعي الأسر محدودة الدخل، ورفع السعر من 2.14 جنيه إلى 2.74 جنيه للكيلووات، أي بزيادة تقترب من 28% دون إخطار مسبق واضح للمشتركين بحسب ما تناقلته عدة مصادر صحفية.
النتيجة على أرض الواقع كانت أقسى من مجرد ارتفاع في التعريفة، مشتركون اشتكوا من فرض مبالغ مالية بأثر رجعي على عداداتهم، ما أدى إلى ارتفاع قيمة الشحن الشهري بنسب تجاوزت 300% في بعض الحالات الفردية، بحسب تقارير متطابقة.
وبحسب أحد المتابعين لملف الطاقة، فإن القرار طبق بأثر رجعي على نحو 44 مليون مواطن من مستخدمي هذا النوع من العدادات، فيما تحدثت تقارير أخرى عن أن عدد العدادات الكودية المتأثرة يبلغ نحو 7 ملايين عداد، وأن أكثر من مليوني أسرة تواجه بشكل مباشر ارتفاع تكلفة الكهرباء نتيجة هذا القرار.
صرخات المواطنين: من “زيادة عادية” إلى “مديونية مفاجئة”
على منصة “إكس” (تويتر سابقا) ومنصات التواصل الأخرى، تحولت وسوم متعلقة بـ “العداد الكودي” و”مديونية الكهرباء” إلى مساحة تجميع لشكاوى متكررة من نمط واحد تقريبا؛ مواطن يشحن عداده بمبلغ معين، ليجد أن جزءا كبيرا منه اقتطع تحت بند “مديونية” أو “فروق تحصيل”، رغم التزامه بالسداد المنتظم لسنوات.
وكذلك أحد المشتركين، ممن تابعت “قضيتهم” بوابة “العمال” الإخبارية، وصف مفاجأته بوجود مديونية بمئات الجنيهات على عداد كان يسدد ثمنه بانتظام لأكثر من ثلاث سنوات دون أي إشعار سابق بغرامات.
وآخرون تحدثوا عن شحن بمبلغ معين ليجدوا الرصيد الفعلي المضاف أقل بكثير، فيما اعتبر البعض أن تقدير المديونيات جرى بأثر رجعي استنادا لمتوسط استهلاك افتراضي وليس استهلاكا فعليا موثقا.
هذا التناقض بين الوعد الأساسي لنظام “الدفع المسبق” (منع أي تراكم لمستحقات) واكتشاف مديونيات ضخمة فجأة، هو ما حول الشكاوى الفردية المتناثرة إلى موجة غضب جماعي واسعة، خصوصا مع تزامنها مع ضغوط معيشية أخرى مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود وخدمات أساسية إضافية.
كما تكشف بيانات مؤسسية غير مرتبطة مباشرة بالأزمة الحالية أن الرقم الموحد للكهرباء (121) المخصص لاستقبال الأعطال والشكاوى استجاب خلال فترة سابقة لنحو 28 ألف شكوى من المواطنين شملت – من بين ما شملت – قضايا سرقة التيار وشحن العدادات مسبقة الدفع وطلبات التوصيل وزيادة القدرات، وهو مؤشر على حجم التفاعل اليومي للمواطنين مع منظومة الكهرباء ولو لم يكن مخصصا حصرا لأزمة العدادات الكودية.
البرلمان يدخل على الخط: 59 طلب إحاطة واستدعاء 3 وزراء
سرعان ما وصل صدى الغضب الشعبي إلى مجلس النواب. فقد تقدم 59 نائبا بطلبات إحاطة تتعلق بأزمة العدادات الكودية، وطالب عدد منهم بحضور وزير الكهرباء شخصيا لتقديم تفسير واضح للقرار وعرض حلول تنهي أزمة باتت تمس شريحة واسعة من المواطنين.
وعقدت لجنة الطاقة والبيئة بالمجلس، برئاسة النائب طارق الملا، اجتماعا شهد نقاشا حادا حول الملف، وتقرر عقد اجتماع مشترك مع ثلاثة وزراء معنيين بالأزمة لبحث تداعيات القرار والوصول لحلول توازن بين الاعتبارات الاقتصادية للدولة والبعد الاجتماعي للمواطنين.
من أبرز الأصوات المعارضة داخل البرلمان، انتقدت النائبة إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب “الإصلاح والتنمية”، ربط تركيب العدادات الكودية للمواطنين بملف التصالح في مخالفات البناء، وقالت إن قرار حرمان بعض المواطنين من العدادات الرسمية غير دستوري وغير قانوني.
كما أشارت إلى حالات لمواطنين أتموا التصالح فعليا وحصلوا على النماذج المطلوبة، ورغم ذلك ما زالوا يواجهون صعوبات في تركيب عدادات قانونية، إضافة إلى حالات رفضت فيها الطلبات بحجة أن التصالح ليس مسجلا باسم المالك الجديد للوحدة.
وقد وصل الأمر إلى ساحات القضاء أيضا، إذ لجأ عدد من المحامين إلى إقامة أول دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري للمطالبة بإلغاء قرار التسعير الموحد للعدادات الكودية.
رد الحكومة: “فروق محاسبية” لا رسوم جديدة
في أول رد رسمي على موجة الغضب، أوضحت مصادر بوزارة الكهرباء أن المبالغ المقتطعة ليست رسوما جديدة، وإنما فروق محاسبية ناتجة عن الانتقال من نظام الشرائح إلى نظام السعر الموحد، مرتبطة بمديونيات وفروق تراكمية قديمة على العدادات الكودية تحملت على المشتركين بعد تطبيق آلية المحاسبة الجديدة. وأضافت الوزارة أن المبالغ الصغيرة تخصم دفعة واحدة، بينما تقسط المديونيات الأكبر على عدة أشهر لتخفيف العبء على المواطنين.
وفي المقابل، أكدت وزارة الكهرباء أن الدولة لا يمكنها الاستمرار في تقديم دعم كامل للكهرباء داخل المباني المخالفة وغير المرخصة، خصوصا مع ارتفاع تكلفة إنتاج الطاقة والضغوط الاقتصادية العامة.
كما بررت الوزارة توجهها العام بالحاجة لتقليل الفاقد وضبط الاستهلاك وتحسين كفاءة التحصيل، مع التوسع مستقبلا في استخدام العدادات مسبقة الدفع والذكية، ومن جانبه، أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن السعر الجديد يعادل التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء.
مؤشرات على تراجع جزئي
تحت وطأة الضغط البرلماني والشعبي، سجلت الأزمة عدة محطات لافتة خلال الأشهر التالية، ففي 12 يونيو 2026، أعلنت وزارة الكهرباء عودة نظام الشرائح رسميا في كافة المحافظات، استجابة للطلب المتزايد من المواطنين الذين أنهوا إجراءات التصالح ويحتاجون لتحويل عدادهم الكودي إلى قانوني.
وكما في 1 يوليو 2026، أعلن وزير الكهرباء خلال اجتماع حكومي بدء تحويل أكثر من 1.1 مليون عداد كودي إلى عدادات قانونية بعد توفيق أوضاع أصحابها، في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد.
وكذلك في 8 يوليو 2026، أعلن وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، الدكتور محمود عصمت، عما وصفه بـ “انفراجة” في الأزمة التي تخص نحو 7 ملايين عداد، مؤكدا العمل على إعادة احتساب الاستهلاك وفق نظام الشرائح العادية لكل من أتم التصالح أو توفيق الأوضاع، إضافة إلى المباني القديمة.
هذه الخطوات، رغم أهميتها، لم تنهي الجدل بالكامل؛ إذ ما زال كثير من المواطنين يشتكون من بطء التنفيذ الفعلي على الأرض، ومن تعقيد الاشتراطات الإدارية وتكاليف شهادات المطابقة المطلوبة لتحويل العداد الكودي إلى عداد قانوني دائم.
جذر المشكلة: حين تتحول فاتورة الكهرباء إلى ملف عقاري
الخيط الذي يجمع كل هذه الشكاوى هو ربط ملف الكهرباء بملف مخالفات البناء والتصالح عليها. فبموجب قرار سابق لمجلس الوزراء، تقوم شركات توزيع الكهرباء بتركيب عداد كودي لأي منشأة أو مبنى يستمد التيار بطريقة غير قانونية، إلى حين أقرب الأجلين، إما تنفيذ قرار إزالة، أو تقنين وضع المبنى المخالف طبقا لقانون التصالح.
وبحسب نواب في مجلس النواب، فإن بطء إجراءات التصالح في مخالفات البناء وتأخر استخراج التراخيص بالمحليات هما السبب الرئيسي وراء استمرار ملايين المواطنين في استخدام العدادات الكودية رغم رغبتهم في التحول إلى عدادات قانونية.
بعبارة أخرى، المواطن يدفع ثمن بطء منظومة إدارية عقارية بالكامل، عبر فاتورة كهرباء أعلى وشروط أكثر تعقيدا.
مطالب النواب والخبراء: حلول جذرية لا مسكنات مؤقتة
في مواجهة الأزمة، طرح عدد من النواب حلولا بديلة، أبرزها تطبيق نظام يتضمن شريحتين أو ثلاث شرائح على الأقل للعدادات الكودية، بحيث يميز بين الاستهلاك المنزلي المحدود الخاص بالأسر البسيطة ومحدودة الدخل، وبين الاستهلاك المرتفع أو الأنشطة التجارية، بدلا من تطبيق سعر موحد واحد على الجميع دون تمييز.
كما طالب عدد من النواب بفصل ملف الكهرباء عن ملف التصالح في مخالفات البناء، باعتبار أن ربط الخدمة الأساسية بملف عقاري منفصل “غير دستوري وغير مجتمعي” بحسب وصف إحدى النائبات، وبتدخل تشريعي وتعديلات قانونية تسرع من إجراءات التصالح نفسها بدلا من معاقبة المواطن على تأخرها.
الخبراء المتابعون لملف الطاقة يشيرون كذلك إلى أن الأزمة تكشف عن حاجة أوسع للشفافية، فالانتقال من نظام الشرائح إلى نظام السعر الموحد جاء – بحسب انتقادات متكررة – دون إخطار كافي للمشتركين، ودون آلية واضحة لمراجعة “المديونيات” المفروضة بأثر رجعي أو الطعن عليها، وهو ما يفتح الباب أمام مطالبات بإنشاء آلية تظلم رسمية وشفافة، ونشر بيانات دورية عن أعداد العدادات الكودية والقانونية بحسب كل محافظة ونسب التحول بينها.
خانة غائبة: أين إحصاءات المحافظات؟
من أبرز ما يكشفه رصد هذه الأزمة هو غياب بيانات رسمية منشورة ومفصلة على مستوى كل محافظة على حدة (أعداد العدادات الكودية، حجم الشكاوى، نسب التحويل إلى عدادات قانونية).
فالأرقام المتاحة إعلاميا وبرلمانيا وطنية إجمالية أو تقديرية (44 مليون مشترك متأثر بالقرار، نحو 7 ملايين عداد كودي، أكثر من مليوني أسرة، وتحويل 1.1 مليون عداد حتى الآن)، لكن التوزيع الجغرافي التفصيلي بين القاهرة الكبرى والدلتا والصعيد والمحافظات الحدودية لم يصدر بشأنه بيان حكومي رسمي منشور حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
وهذا في حد ذاته ملف يستحق متابعة صحفية مستقلة عبر طلبات إتاحة معلومات رسمية من وزارة الكهرباء وشركات التوزيع الإقليمية، للوقوف على المحافظات الأكثر تضررا بدقة.
نماذج ميدانية: أنماط الشكوى في المحافظات (رصد نوعي لا إحصائي)
في ظل غياب البيانات الرسمية المفصلة بحسب كل محافظة، الموضح في القسم السابق، يمكن رصد بعض الأنماط العامة المتكررة في التغطية الإعلامية والشكاوى الشعبية بحسب طبيعة كل منطقة.
يجب التنويه بوضوح إلى أن ما يلي أنماط نوعية استرشادية مبنية على تكرار نوع الشكوى في التغطية الإعلامية، وليست أرقاما أو إحصاءات رسمية موثقة لكل محافظة على حدة، ففي محافظات الدلتا والقناة (كالإسكندرية والبحيرة والشرقية)، يغلب على الشكاوى الواردة منها الحديث عن بطء استجابة أجهزة قراءة العدادات القديمة، وتزامن مفاجآت “المديونية” مع بداية كل شهر ميلادي عند الانتقال التلقائي بين الشرائح.
وكذلك في محافظات الصعيد (كأسيوط وسوهاج وقنا)، ترتبط الشكاوى فيها غالبا ببعد مراكز الشحن عن القرى والنجوع، ما يزيد من صعوبة متابعة المواطنين لتفاصيل استهلاكهم أو تواصلهم السريع مع شركات التوزيع لتصحيح أي خطأ في الفوترة.
بالإضافة إلي محافظات القاهرة الكبرى (كالقاهرة والجيزة والقليوبية)، تتركز الشكاوى في العقارات القديمة والمناطق غير المخطط لها التي تحمل نسبة أعلى من العدادات الكودية، حيث يظهر الأثر المالي للتسعير الموحد بوضوح أكبر على ميزانية الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
هذه الأنماط الثلاثة تعكس أن الأزمة، وإن كانت واحدة في جوهرها (تسعير موحد وغياب شفافية)، فإن حدتها وتفاصيلها تتفاوت بحسب الطبيعة العمرانية والجغرافية لكل إقليم، وهو ما يعزز مجددا الحاجة إلى بيانات رسمية مصنفة جغرافيا بدلا من الاكتفاء بالأرقام الوطنية الإجمالية وحدها.
أزمة لم تغلق ملفاتها بعد
بين تصريحات حكومية تتحدث عن “فروق محاسبية” و”انفراجة” قادمة، وشكاوى مواطنين متصاعدة على السوشيال ميديا، وضغط برلماني متجدد، ودعوى قضائية لا تزال قيد النظر، يبقى ملف عدادات الكارت القديمة والكودية مفتوحا.
فالقرارات الأخيرة بعودة نظام الشرائح وتحويل ملايين العدادات إلى الوضع القانوني خطوة في الاتجاه الصحيح بحسب مراقبين، لكن التنفيذ الفعلي على الأرض وسرعة إنجاز إجراءات التصالح العقاري، هما ما سيحدد فعليا ما إذا كانت “جحيم الفاتورة الأخيرة” قد اقتربت من نهايتها، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة قبل فصل جديد من الأزمة.
خارطة طريق مقترحة: توصيات لصانع القرار وللمواطن
استنادا إلى ما طرحه النواب والخبراء والمواطنون أنفسهم خلال رصد بوابة “العمال” الإخبارية لهذه الأزمة، يمكن تلخيص أبرز الحلول المقترحة في النقاط التالية، الفصل التشريعي بين ملفي الكهرباء والتصالح العقاري: تعديل الإطار القانوني بحيث لا يظل استحقاق المواطن للعداد القانوني رهينا ببطء إجراءات تصالح مخالفات البناء في الجهات المحلية.
بالإضافة إلي العودة إلى نظام شرائح متدرج بدلا من السعر الموحد، اعتماد شريحتين أو ثلاث على الأقل للعدادات الكودية، تميز بين الاستهلاك المنزلي المحدود للأسر محدودة الدخل والاستهلاك التجاري أو المرتفع.
وكذلك إنشاء آلية تظلم رسمية وسريعة، تتيح للمواطن الطعن على أي “مديونية” تخصم بأثر رجعي، مع إلزام شركات التوزيع بعرض تفاصيل رقمية واضحة لأساس كل عملية خصم عبر التطبيق أو الفاتورة.
وضرورة نشر بيانات دورية مصنفة جغرافيا: إتاحة إحصاءات رسمية عن أعداد العدادات الكودية والقانونية ونسب التحويل بينها على مستوى كل محافظة، لتمكين الرقابة البرلمانية والصحفية والمجتمعية.
وتفعيل نظام تنبيه استباقي، عبر رسائل نصية أو تطبيقات الهاتف، يخطر المشترك قبل الانتقال إلى شريحة استهلاك أعلى، تفاديا للمفاجآت المالية المفاجئة، وتسريع إجراءات التصالح نفسها في الجهات المحلية: باعتبارها السبب الجذري الذي يبقي ملايين العدادات في وضعها “المؤقت” لسنوات طويلة، بدلا من معالجة الأعراض دون الأسباب.
هذه التوصيات لا تلغي الخطوات التي أعلنتها الحكومة بالفعل (عودة الشرائح، تحويل 1.1 مليون عداد)، بل تقترح استكمالها بإطار تشريعي وإحصائي أكثر شفافية واستدامة.
السؤال الذي لا يزال بلا إجابة رسمية كاملة
ويبقى سؤال واحد معلقا فوق كل الأرقام والتصريحات والقرارات المتلاحقة: هل كان “الحل المؤقت” الذي صممته الدولة قبل سنوات ليحمي المواطن من قطع التيار، هو نفسه من صار اليوم يهدد استقرار جيبه؟ فاتورة الكهرباء، التي طالما اعتبرت أبسط التزام شهري في حياة المصريين، تحولت في شهور قليلة إلى اختبار حقيقي لثقة المواطن في العداد الذي بين يديه، وفي الجهة التي تحدث أرقامه من بعيد دون أن يراها.
وإلى أن يغلق هذا الملف بقرار نهائي وشفاف يشمل كل عداد في كل محافظة، سيظل السؤال مطروحا في الشارع قبل أن يطرح في أي قاعة برلمانية، من يضمن للمواطن أن الرقم الظاهر على شاشة عداده هو الرقم الحقيقي فعلا؟
أزمة عدادات الكارت تشتعل..محضر شهري وصدمة مع كل شحنة تثير غضب المواطنين

