Site icon بوابة العمال

م.خالد محمود خالد يكتب: المحاكمة بالشك!

الجريمة التي شهدتها سوهاج، والتي انتهت إلى مقتل زوجة وشابين، لا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها مجرد واقعة جنائية عابرة، ولا أن نكتفي بالسؤال التقليدي: من القاتل؟ ومن الضحايا؟ فهناك سؤال أخطر بكثير: كيف تتحول الشبهة في عقول بعض الناس إلى حقيقة، ثم تتحول الحقيقة المتخيلة إلى حكم، ثم يتحول الحكم إلى عقوبة يوقعها الإنسان بيده؟

هذه القضية تكشف مرضًا اجتماعيًا خطيرًا: أننا أصبحنا أحيانًا نحاكم الناس بالسمع، وبالمقاطع، وبالرسائل، وبالكلام المتداول، بل وبمجرد الشك، وكأن كل ما يصل إلى الهاتف أصبح بينة، وكل ما يقال أصبح حقيقة، وكل ما يثير الغيرة يعطي صاحبه حق الانتقام.

والأخطر من ذلك أن البعض يلبس هذا السلوك ثوب «الشرف»، وكأن الشرف يمنح الإنسان سلطة فوق القانون وفوق الشرع وفوق حق الآخرين في الحياة.

والإسلام كان أكثر صرامة من ذلك بكثير.

لقد وضع القرآن والنبي ﷺ نظامًا بالغ الدقة في التعامل مع الاتهام بالزنا. فإذا كان الاتهام لامرأة محصنة من غير أن يأتي المتهم بأربعة شهداء، جاء القرآن بحكم شديد الوضوح: «والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً».

وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا رأى شيئًا يثير شكه يستطيع أن يصبح قاضيًا وجلادًا في اللحظة نفسها.

وهنا تأتي واحدة من أعظم القصص التي تكشف الفرق بين الغيرة المشروعة وبين الانفلات من حكم الشرع.

فقد كان سعد بن عبادة رضي الله عنه شديد الغيرة، فقال: «لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح». فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني»، وفي رواية صحيحة: «ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن».

وهنا المعنى العميق الذي يغيب عن كثيرين: النبي ﷺ لم ينكر الغيرة، لكنه لم يجعل الغيرة قانونًا بيد الإنسان. فالغيرة شعور، أما الحكم فشيء آخر.

ثم جاءت واقعة هلال بن أمية رضي الله عنه، وهي أكثر اتصالًا بما نتحدث عنه. فقد اتهم هلال زوجته بالزنا، وقال إنه رأى بعينه، فجاء إلى النبي ﷺ، فقال له النبي: «البينة أو حد في ظهرك». فقال هلال، بمعنى كلامه: كيف يُطلب من الرجل أن يذهب ويبحث عن أربعة شهود إذا رأى بعينه؟ ثم نزلت آيات اللعان في سورة النور.

وهنا تظهر عظمة التشريع.لم يقل له النبي ﷺ: «بما أنك رأيت بعينك، اقتل الرجل».

ولم يقل له: «أنت رجل، وهذه زوجتك، وهذا شرفك، افعل ما تشاء» بل أوقف الانفعال أمام القانون الإلهي.

ثم جاء الاستثناء الخاص بالزوج الذي يتهم زوجته ولا يملك أربعة شهود، فقال الله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ۝ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ».

ثم تشهد الزوجة أربع شهادات بالله أنه من الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

هذا هو اللِّعان.

أي أن الرجل الذي يرى بعينه، ومع ذلك لا يملك أربعة شهود، لا يصبح قاضيًا ولا يصبح منفذًا للعقوبة، وإنما يدخل في إجراء شرعي أمام الحاكم، ويضع نفسه أمام الله في شهادات وأيمان عظيمة، وتترتب على ذلك أحكام شرعية، ومنها التفريق بين الزوجين.

وهذا درس بالغ الخطورة: حتى الرؤية المباشرة لم تجعل الإنسان فوق القضاء.

فكيف أصبح اليوم مقطع فيديو على هاتف، أو صورة، أو رسالة مجهولة، أو حساب وهمي، أو كلام من شخص مجهول، كافيًا عند البعض لإصدار حكم بالإدانة ثم الانتقال إلى الانتقام؟

بل إن واقعة سوهاج نفسها، وفق ما نشرته وسائل الإعلام، ارتبطت بروايات عن مقاطع وحسابات مجهولة ورسائل وابتزاز، بينما ظهرت أيضًا روايات أخرى تنفي بعض هذه التفاصيل؛ ولذلك فإن الحقيقة النهائية تظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، لا مواقع التواصل الاجتماعي.

وهنا يجب أن نتوقف أمام كارثة أكبر من الجريمة نفسها: ثقافة الحكم قبل التحقق.

إن الإنسان عندما يسمع اتهامًا في حق شخص، ثم يصدقه، ثم ينشره، ثم يبني عليه موقفًا، ثم يدفع غيره إلى الانتقام، يكون قد دخل في سلسلة خطيرة من الظلم، حتى لو اكتشف بعد ذلك أن القصة كلها كانت كذبًا.

والقرآن لم يضع شروط التثبت عبثًا. قال سبحانه:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ».

هذه الآية تبدو اليوم وكأنها تخاطب عصر وسائل التواصل الاجتماعي مباشرة.

فالمشكلة ليست في أن الإنسان يغار على زوجته أو أسرته أو عرضه؛ فالغيرة في أصلها شعور إنساني مفهوم، وقد أثنى النبي ﷺ على الغيرة المنضبطة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الغيرة إلى إلغاء للعقل، وإلغاء للتحقق، وإلغاء للقانون، وإلغاء لحق الإنسان في الدفاع عن نفسه.

والأشد خطورة أن نجد من يقول بعد وقوع الجريمة: «هو دافع عن شرفه».

الشرف لا يُدافع عنه بجريمة.

ومن قتل إنسانًا بغير حق لم يصبح شريفًا لأنه كان غاضبًا، ومن اعتدى على امرأة لم يصبح قاضيًا لأنه ادعى أنه كان يحمي عرضه، ومن صدق مقطعًا مجهول المصدر لم يصبح صاحب يقين لمجرد أنه شاهده على هاتفه.

الإسلام لم يبنِ العدالة على الانفعال، وإنما بناها على البينة، والقضاء، والإجراءات، والضوابط.

والرسالة التي يمكن أن نتعلمها من قصة هلال بن أمية هي أن الإنسان قد يرى شيئًا يزلزل كيانه، وقد يشعر أن الدم يغلي في عروقه، ومع ذلك لا يملك أن يجعل غضبه شريعة.

لقد جاء التشريع ليحمي الإنسان من أخطر لحظاته: لحظة الغضب.

وهذا هو الفرق بين المجتمع الذي تحكمه العدالة والمجتمع الذي تحكمه الشائعة.

في المجتمع الأول، إذا اتُّهم إنسان، نبحث عن الحقيقة.

وفي المجتمع الثاني، يكفي أن تنتشر رواية حتى يصبح صاحبها مدانًا.

في المجتمع الأول، القضاء يحكم.

وفي الثاني، الغاضب يحكم وينفذ.

وفي المجتمع الأول، يمكن أن يُخطئ الإنسان في الظن ثم يتراجع.

أما في الثاني، فقد يكون ثمن الخطأ روح إنسان لا يمكن إعادتها إلى الحياة.

لذلك فإن أخطر ما يجب أن نواجهه اليوم ليس فقط جرائم «الشرف»، وإنما ثقافة الشرف الزائف التي تبرر الجريمة بعد وقوعها.

الشرف الحقيقي ليس أن تنتقم أسرع من غيرك.

الشرف الحقيقي أن تستطيع أن تضبط غضبك عندما تكون قادرًا على الانفجار.

والقوة الحقيقية ليست في السكين ولا في السلاح ولا في قتل من تشك فيه.

القوة الحقيقية أن تقف أمام أعظم استفزاز، ثم تقول: لن أحكم بالظن، ولن أعاقب بيدي، ولن أقتل إنسانًا لأنني صدقت رواية لم أتحقق منها.

فإذا كان رجل رأى بعينه في زمن النبوة، ومع ذلك أوقفه التشريع عند حدوده، فكيف يجرؤ إنسان اليوم على أن يجعل صورة على هاتف أو مقطعًا مجهول المصدر أو رسالة من حساب مجهول أقوى من حكم الشرع والقانون؟

هذه ليست قضية زوج وزوجة وثلاثة قتلى فقط.

إنها قضية مجتمع كامل يحتاج أن يتعلم من جديد أن الشك ليس يقينًا، والمقطع ليس بالضرورة حقيقة، والاتهام ليس إدانة، والغيرة ليست رخصة للقتل، والشرف لا يمكن أن يكون مبررًا للظلم.

وحين يغيب التحقق، لا يعود الخطر أن يخطئ الناس في الحكم على الآخرين فحسب؛ بل يصبح الخطر أن يتحول الخطأ نفسه إلى جريمة لا يمكن إصلاح نتائجها.

وهنا نحتاج أن نتذكر دائمًا:

ليس كل ما تراه عينك تفهم حقيقته، وليس كل ما تسمعه أذنك تصدقه، وليس كل ما يصل إلى هاتفك يستحق أن تبني عليه حكمًا، ومن أعظم الظلم أن تجعل من الشبهة يقينًا، ومن اليقين المزعوم حكمًا، ومن الحكم قتلًا.

م.خالد محمود خالد يكتب: المحاكمة بالشك!

Exit mobile version