ليس الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مناسبة تمر علينا في يوم من أيام العام، ولا كلمات تتردد على الألسنة ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما هو فرصة نستعيد فيها سيرة أعظم من وطئت قدماه الأرض، ونفتح صفحات حياته لنرى فيها كيف يكون الإنسان رحيمًا، صادقًا، عادلًا، متواضعًا، محبًا للناس، حريصًا على هدايتهم وسعادتهم.
وقد اختلف العلماء في حكم تخصيص يوم المولد بالاحتفال؛ فمنهم من أجازه إذا كان المقصود إظهار الفرح والمحبة، وقراءة القرآن، والصلاة على النبي، وإطعام الطعام، والصدقة، ومساعدة المحتاجين، من غير أن يصاحب ذلك محرم أو اعتقاد بأنه عبادة مفروضة بنص شرعي. بينما رأى علماء آخرون أن تخصيص هذا اليوم باحتفال ديني لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ولذلك عدّوه من البدع.
وهذا خلاف فقهي ينبغي ألا يتحول إلى خصومة أو سبب للفرقة بين المسلمين؛ فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من أن تختصر في صورة واحدة، والاقتداء به لا ينبغي أن يكون في يوم واحد، وإنما في كل أيام العمر.
فإذا أقبل علينا هذا اليوم العظيم، فلنجعله يومًا للخير والمحبة. نقرأ شيئًا من القرآن، ونكثر من الصلاة والسلام على رسول الله، ونقرأ سيرته ونتأمل مواقفه، ونطعم جائعًا، ونساعد محتاجًا، ونتصدق بما نستطيع، ونصل رحمًا انقطعت، ونصفح عمن أساء إلينا.
ولنستحضر ونحن نقرأ سيرته كيف كان صلى الله عليه وسلم رحيمًا بالضعفاء، عطوفًا على الفقراء، كريمًا مع الناس، صابرًا على الأذى، متسامحًا عند المقدرة، وكيف استطاع أن يبني أمة من القيم قبل أن يبني دولة من الحدود.
إن أعظم احتفال برسول الله أن نقتدي بأخلاقه، وأن تصبح الصلاة عليه سلوكًا يذكرنا بالرحمة، وتصبح سيرته ميزانًا لأفعالنا، فلا نؤذي، ولا نظلم، ولا نخون، ولا نكسر خاطر إنسان.
مولد النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يكون مناسبة نعود فيها إلى أنفسنا قبل أن نتحدث عن غيرنا، ونسأل: ماذا تعلمنا من محمد؟ وماذا تغير في أخلاقنا وسلوكنا؟
فهناك يكون الاحتفاء الحقيقي… أن يولد في داخلنا، كل عام، إنسان أكثر رحمة وصدقًا ونبلًا، وأن تبقى سيرة المصطفى نورًا نهتدي به في الطريق، لا مجرد ذكرى نحتفل بها ثم ننساها.

