لدينا يقين قاطع بان الموت هو الملاذ الاكيد لكل مخلوق، فهي الحقيقية الوحيدة التي لاجدال فيها ولاخلاف عليها،ولا يمل العقل من إدراكها ولا يقبل الشك أو الجدال.
الموت الحقيقة الكبرى التي تتواضع أمامها كل تفاصيل الحياة، وتتساقط عندها الأقنعة والمصالح الضيقة، ليبقى فقط ما قدمه الإنسان من أثر طيب وسيرة عطرة،وهو التذكرة الدائمة بأن هذه الدنيا دار ممر وليست دار مقر، وأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بما يجمع، بل بما يزرعه في قلوب الآخرين من حب واحترام وذكر حسن.
هناك رجال يمرون في حياتنا كنسيم لطيف، لا يتركون خلفهم إلا أثراً طيباً وذكراً عاطراً، وكأنهم لم يعيشوا في هذه الدنيا ليتصارعوا على حطامها، بل ليتركوا قلوباً تنبض بالدعاء لهم حين يرحلون.
وبالامس فقدنا رجلا بتلك الصفات اسماه الناس بالرجل البشوش والقلب الحليم، الحاج عاطف محمد شمس الدين القاضي، رجل بسيط، اذا اقبل اقبلت معه السكينة كأن وجهه وسم بالنور وعمت الطمأنينة لتكون مأمناً لكل خائف ومستريحاً لكل مكدود، عنوانه النبل والصفاء، صاحب نفس راضية وقلب سليم لا يعرف وجهه العبوس .
حين تجالسه، تشعر أن الدنيا بأسرها قد اتسعت، وحين تختلف معه، يغمرك بحلمه، فامثال هؤلاء الناس يحبهم الله، فطوبى لمن جعل من وجهه مبعثاً للسرور، ومن حلمه ملجأً للهدوء. إن أمثال هؤلاء الرجال لا يموت ذكرهم ولا تُنسى مواقفهم، بل تظل قلوب الناس تذكره بالخير وتدعو له بظهر الغيب، لأنه زرع في طريقهم حباً وسلاماً لا يفنى.
ومثلما كان هؤلاء في الحياة هادئين، فإن رحيلهم يأتي صامتاً موجعاً، يملأ الصدور بفراغ لا يملؤه إلا الإيمان بقضاء الله وقدره.
فقد فقدنا قلبا كان ينبض بالسلام، وروحاً لم تعرف للشر طريقاً قط. لقد كان الفقيد -رحمه الله- نموذجاً فريداً للرجل الطيب، الصالح، المسالم، الذي عاش حياته بخطوات هادئة وقلب نقي، لم يؤذ أحدا بكلمة، ولم يجرح شعور مخلوق، بل كان طوال عمره مصدر أمان وطمأنينة لمن حوله.
لم تكن له خصومة مع أحد، ولم يعرف الحقد أو الغل سبيلاً إلى قلبه، وكأن رسالته في هذه الحياة كانت نشر السكينة والرفق.
إن مصاب فقدان رجل بهذا القدر من الطُهر لعظيم، والقلب عليه يحزن والعين عليه تدمع لفراقه، لكن ما يُصبرنا ويخفف عنا مرارة الفراق هو اليقين بأن من عاش طاهراً كريماً، مات مسلماً طاهراً، وأن الله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجر المحسنين.
وكما جاء في الحديث الشريف أن أطيب الناس هم أصحاب القلوب المخمومة، فقيل: وما القلب المخموم؟ قال: “هو التقي النقي، الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد”. ولا نحسب فقيدنا إلا واحداً من هؤلاء.
رحم الله ذلك الرجل الطيب، وأسكنه فسيح جناته، وجعله في الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالصين وحسن أولئك رفيقاً.
عبدالعظيم القاضي يكتب: أصحاب القلوب المخمومة

