Site icon بوابة العمال

ما وراء لائحة العمل الجديدة.. التنظيم النقابي شريك في صياغة القواعد والحقوق المكتسبة خط أحمر

 

كتبت _ نجوى ابراهيم 

في مؤتمر صحفي عقده اليوم السبت، أطلق وزير العمل حسن رداد القواعد العامة للائحة تنظيم العمل بشركات القطاع الخاص، باعتبارها إحدى الأدوات التنفيذية المهمة لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، في خطوة تتجاوز مجرد إصدار قواعد جديدة لتنظيم العمل، إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقة اليومية داخل المنشآت على أسس أكثر وضوحًا وانضباطًا، بما يحقق قدرًا أكبر من الاستقرار للعامل وصاحب العمل على السواء.

اللافت في القواعد الجديدة أن الوزارة لم تتعامل مع لائحة تنظيم العمل باعتبارها شأنًا إداريًا منفردًا يخص صاحب العمل، وإنما أحاطت إعدادها وإقرارها بسلسلة من الإجراءات التي تعكس حضورًا واضحًا لفكرة الحوار الاجتماعي ومشاركة أطراف الإنتاج في صياغة القواعد التي تحكم علاقة العمل.

وخلال المؤتمر، أوضح وزير العمل أن القواعد العامة صدرت بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، الذي يضم ممثلي الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال، إلى جانب جلسات استماع ومناقشات شارك فيها مسؤولو الموارد البشرية بالمنشآت، وممثلو المنظمات النقابية العمالية، ومنظمات أصحاب الأعمال، ومفتشو العمل، بهدف الوصول إلى قواعد أكثر واقعية وقدرة على معالجة الإشكالات التي يفرزها التطبيق العملي.

وهنا تظهر إحدى أهم الرسائل التي تحملها اللائحة الجديدة: التنظيم النقابي ليس طرفًا ينتظر وقوع النزاع حتى يتدخل، وإنما أصبح له موقع في مرحلة صياغة القاعدة نفسها.

فالقواعد الجديدة تقضي بأنه عند تقديم مشروع اللائحة إلى مديرية العمل، تتم إحالته إلى المنظمة النقابية العمالية المختصة لإبداء الرأي فيه خلال خمسة عشر يومًا على الأكثر، قبل استكمال إجراءات المراجعة والتصديق.

وقد يبدو هذا الإجراء في ظاهره تفصيلًا إداريًا، لكنه في الواقع يحمل دلالة مهمة على مستوى علاقة العمل، فالقواعد التي ستنظم ساعات العمل والإجازات والجزاءات والتدريب وغيرها من تفاصيل الحياة اليومية للعاملين لن تُترك بالكامل لرؤية الإدارة، وإنما تمر عبر قناة مؤسسية تتيح للعمال ممثلين في تنظيماتهم النقابية إبداء الرأي قبل اعتمادها.

وهذا الدور يضع التنظيمات النقابية أمام مسؤولية أكبر؛ فالمشاركة في مراجعة اللوائح لا ينبغي أن تكون إجراءً شكليًا، وإنما فرصة حقيقية لقراءة النصوص من زاوية آثارها على العمال، ورصد أي غموض أو تعارض أو محاولة للانتقاص من حقوق مستقرة، والتدخل قبل أن تتحول القاعدة المختلف عليها إلى نزاع داخل المنشأة.

وفي المقابل، فإن مشاركة التنظيم النقابي في هذه المرحلة تفتح الباب أمام تطوير مفهوم الحوار الاجتماعي داخل مواقع العمل،من رد الفعل بعد حدوث المشكلة إلى الوقاية منها من خلال المشاركة في صناعة القواعد التي تحكم العلاقة منذ البداية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر بالنظر إلى طبيعة القواعد الجديدة نفسها، التي لا تقدم نموذجًا جامدًا واحدًا تلتزم به جميع المنشآت، وإنما تضع إطارًا عامًا يسمح لكل منشأة بإعداد لائحتها بما يتناسب مع طبيعة نشاطها وحجم عمالتها وهيكلها الإداري والتكنولوجي، مع الالتزام بالحدود التي يفرضها القانون.

وهذه المعادلة بين المرونة والانضباط تبدو جوهرية، فالمنشأة تحتاج إلى قواعد تناسب طبيعة عملها، لكن المرونة لا يمكن أن تعني ترك الباب مفتوحًا أمام شروط تنتقص من الحقوق القانونية أو المكتسبة للعاملين.

ومن هنا يبرز أحد أهم البنود التي تستحق التوقف عندها، وهو النص على أن اللائحة الجديدة لا يجوز أن تمس أو تنتقص من الحقوق والمزايا الأفضل المكتسبة والمطبقة فعليًا للعاملين قبل إعدادها، سواء كانت مقررة بموجب لوائح سابقة أو عقود أو استقر عليها العرف داخل المنشأة.

وهذا البند يحمل رسالة واضحة لا ينبغي أن تضيع وسط التفاصيل التنفيذية وهى ان اللائحة الجديدة ليست نقطة صفر بالنسبة للعامل.

فإعادة تنظيم العمل لا تعني إعادة فتح ملف الحقوق المكتسبة بهدف خفضها، وإصدار لائحة جديدة لا يمنح المنشأة تلقائيًا حق إسقاط ميزة أفضل اعتاد العاملون الحصول عليها واستقرت في واقع العمل.

والأهم أن حماية المزايا الأفضل تمنع أن تتحول عملية توفيق أوضاع المنشآت مع قانون العمل الجديد إلى وسيلة غير مباشرة لإعادة ترتيب العلاقة في اتجاه أقل فائدة للعامل، فالقواعد العامة تضع أرضية مشتركة، لكنها لا تعني بالضرورة النزول بكل المنشآت إلى الحد الأدنى من الحقوق.

وهنا يمكن قراءة النص باعتباره ضمانة للاستقرار الوظيفي بقدر ما هو حماية قانونية، لأن العامل الذي يشعر بأن حقوقه السابقة لن تكون محل إعادة تفاوض لمجرد صدور لائحة جديدة سيكون أكثر اطمئنانًا إلى عملية التنظيم نفسها، كما أن صاحب العمل سيكون أمام حدود أكثر وضوحًا لما يمكن تغييره وما لا يجوز المساس به.

ولم تتوقف فلسفة القواعد عند حماية الحقوق المكتسبة، وإنما امتدت إلى طريقة إعداد اللائحة ذاتها، إذ وجهت إلى أن تبدأ المسودة بالتشاور مع أهل الخبرة والرأي من العمال، واستطلاع مقترحات العاملين وشاغلي الوظائف القيادية بالمنشأة، بما يجعل إعداد اللائحة عملية تشاركية وليست قرارًا منفردًا يصدر من الإدارة.

وبذلك تتشكل دائرة من المشاركة تبدأ داخل المنشأة، ثم تنتقل إلى المنظمة النقابية المختصة، قبل أن تصل إلى مديرية العمل للمراجعة والتصديق، فيما توجد على المستوى المركزي لجنة بديوان عام وزارة العمل برئاسة الوزير وعضوية خبراء متخصصين، مهمتها توحيد المبادئ والبت في حالات الخلاف أو تباين الآراء.

وهذه المستويات المتعددة للمراجعة تمثل في حد ذاتها إحدى أهم ضمانات تطبيق اللائحة، فالمسودة لا تنتهي بمجرد إعدادها، ورأي المنظمة النقابية ليس آخر حلقة، والتصديق لا يبدو إجراءً آليًا، كما أن الخلاف في التفسير لا يترك بالضرورة لاجتهاد كل منشأة أو كل جهة تنفيذية على حدة.

وتتضح ضمانات التطبيق بصورة أكبر في مضمون القواعد نفسها، فقبل توقيع الجزاء على العامل، يجب إجراء تحقيق كتابي وسماع أقواله وتمكينه من الدفاع عن نفسه، مع وضع حدود للخصم المالي، بما يحول دون استخدام الجزاء كأداة مفتوحة للضغط على العامل.

والأكثر أهمية أن الفصل التأديبي في الحالات التي يجيز فيها القانون ذلك لا يكون قرارًا منفردًا من صاحب العمل، وإنما يتم بحكم من المحكمة العمالية المختصة، وهو ما يضع حدًا واضحًا بين سلطة الإدارة في تنظيم العمل ومحاسبة العامل، وبين العقوبة الأشد التي تترتب عليها نهاية علاقة العمل.

كما تمتد الضمانات إلى الأجر، باعتباره أحد أكثر عناصر علاقة العمل حساسية، من خلال حظر الخصم أو الاستقطاع إلا في الحدود والأحوال المقررة قانونًا، والتأكيد على المساواة في الأجر بين الرجال والنساء عن العمل ذي القيمة المتساوية، وتنظيم سداد الأجور عبر الوسائل والحسابات والمدفوعات الإلكترونية، بما يدعم قدرة العامل على إثبات مستحقاته ويقلل من مساحات النزاع حول ما تم صرفه أو خصمه.

وفي جانب آخر، تضع القواعد حماية كرامة العامل وسلامته داخل بيئة العمل ضمن مسؤوليات المنشأة، من خلال حظر العمل الجبري والسخرة واحتجاز بطاقات الرقم القومي أو جوازات السفر، ومواجهة التحرش والتنمر والعنف بمختلف أشكاله، مع وضع آليات لتلقي الشكاوى والتعامل معها.

كما تحظر القواعد التمييز في التعيين أو التدريب أو الأجر أو الترقي، وتدعم تكافؤ الفرص وتمكين المرأة ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب حماية الأطفال ومواجهة تشغيلهم بالمخالفة للقانون.

ويكشف جمع هذه الضمانات عن أن فلسفة اللائحة لا تقتصر على «تنظيم العمل» بالمفهوم الإداري التقليدي، وإنما تمتد إلى إعادة بناء بيئة العمل نفسها على أساس من الكرامة والعدالة والوضوح.

لكن تبقى هناك مسافة بين النص والتطبيق، وهي المسافة التي ستحدد في النهاية القيمة الحقيقية لهذه القواعد.

فالضمانات التي تبدأ بالحوار الاجتماعي، وتمتد إلى مشاركة التنظيم النقابي، ثم مراجعة مديرية العمل والتصديق عليها، وتصل إلى لجنة مركزية لتوحيد المبادئ، لن تحقق أهدافها إذا تحولت إلى مجرد إجراءات ورقية.

وهنا تحديدًا سيظهر الاختبار الحقيقي لدور التنظيم النقابي، فالمطلوب ليس فقط أن تبدي النقابة رأيًا في مشروع اللائحة، وإنما أن تتابع تطبيقها وأن تكون قادرة على الدفاع عن الحقوق المكتسبة والمزايا الأفضل التي أكدتها القواعد، وأن ترصد أي محاولة للالتفاف على النصوص تحت غطاء إعادة التنظيم.

كما أن مسؤولية مديريات العمل لن تتوقف عند مراجعة الأوراق والتأكد من اكتمال الإجراءات، وإنما سيكون التحدي في متابعة ما يجري داخل المنشآت والتأكد من أن اللائحة المعتمدة هي نفسها القواعد التي تطبق فعليًا على العاملين.

أما اللجنة المركزية التي شكلتها الوزارة، فستكون أمام اختبار آخر يتعلق بقدرتها على توحيد المبادئ وتقليل تفاوت التفسيرات، بحيث لا يجد العامل وصاحب العمل أنفسهما أمام قراءات مختلفة للقاعدة ذاتها من منشأة إلى أخرى أو من جهة إلى أخرى.

وفي المقابل، فإن أصحاب الأعمال أمام فرصة للاستفادة من هذه القواعد باعتبارها وسيلة لتنظيم العلاقة وليس مجرد التزام إضافي، فاللائحة الواضحة التي يعرفها العامل والإدارة مسبقًا تقلل مساحة الاجتهاد، وتساعد على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى نزاعات، وتمنح المنشأة إطارًا أكثر استقرارًا لإدارة الإنتاج.

ومن هذه الزاوية، فإن ما أعلنه وزير العمل اليوم لا يمكن اختزاله في إطلاق «لائحة جديدة»، وإنما هو محاولة لإعادة ترتيب قواعد العلاقة داخل المنشأة على أساس أكثر مؤسسية، صاحب العمل يحتفظ بحقه في الإدارة والتنظيم، والعامل يحتفظ بحقوقه القانونية والمكتسبة، والتنظيم النقابي يشارك في صياغة القواعد، ومديرية العمل تراجع وتصدق، والوزارة تضع آلية لتوحيد المبادئ وحسم الخلافات.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الضمانات إلى ممارسة يومية يشعر بها العامل داخل موقع العمل، أم تظل حبيسة النصوص والملفات؟

فالنجاح الحقيقي للقواعد الجديدة لن يقاس بعدد اللوائح التي يتم إعدادها واعتمادها، وإنما بقدرتها على حماية الحقوق والمزايا المكتسبة، ومنع الانتقاص منها، وإشراك العمال وتنظيماتهم النقابية في صياغة قواعد العمل، وضبط استخدام السلطة التأديبية، وتقليل النزاعات، وفي الوقت نفسه منح أصحاب الأعمال قواعد واضحة ومستقرة لإدارة منشآتهم.

عندها فقط يمكن القول إن ما أطلقه وزير العمل اليوم لم يكن مجرد استكمال للقرارات التنفيذية لقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وإنما بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها الحوار الاجتماعي جزءًا من صناعة قواعد العمل، وتصبح الحقوق المكتسبة خطًا لا يجوز تجاوزه، وتتحول اللائحة من ورقة معلقة على جدار المنشأة إلى قواعد حقيقية تحكم علاقة العمل وتحمي استقرارها

Exit mobile version