لم يعد التقدم في الأمم يقاس بما تملكه من موارد طبيعية أو بثرواتها المادية فقط بل أصبح المقياس الحقيقي هو ما تملكه من عقول قادرة على الابتكار والإبداع وحل المشكلات وصناعة المستقبل وقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة أن الاستثمار في الإنسان وفي العقل هو أطول الاستثمارات عمرا وأكثرها ربحا وأعمقها أثرا في بناء مجتمعات قوية قادرة على المنافسة في عالم سريع التغير وتحكمه المعرفة والتكنولوجيا وإن أي دولة تريد أن تحجز لنفسها مكانا على خريطة المستقبل لابد أن تبدأ من المدرسة ومن الجامعة ومن مركز البحث ومن كل مكان يتشكل فيه عقل الإنسان وينمو فيه تفكيره ويتحول فيه الحلم إلى مشروع قابل للتنفيذ.
والاستثمار في العقول لا يعني فقط بناء المدارس والجامعات بل يعني خلق بيئة كاملة تشجع على التفكير النقدي وتدعم البحث العلمي وتمول الأفكار الجديدة وتحتضن الشباب الموهوب وتحميه من الهجرة والإحباط وتعطيه فرصا حقيقية للعمل والإنتاج فالعقل المهمل يتحول إلى عبء والعقل المدعوم يتحول إلى مصنع للثروة والقيمة المضافة.
وقد أدركت الدول الكبرى هذه الحقيقة مبكرا فخصصت نسبا كبيرة من موازناتها للتعليم والبحث والتطوير وجعلت من الجامعات مراكز إنتاج للمعرفة وليس فقط أماكن للتلقين كما ربطت بين التعليم وسوق العمل وفتحت المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في التدريب والتأهيل والتكنولوجيا فخرجت لنا شركات عملاقة بدأت بفكرة في عقل شاب ودعمته الدولة فأصبحت تدر مليارات وتوفر ملايين فرص العمل.
وإن أهمية الاستثمار في العقول تتضح بشكل أكبر في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم مثل أزمة الطاقة وتغير المناخ والأمن الغذائي والأمراض والأمن السيبراني فكل هذه الملفات لا يمكن حلها بالمال وحده ولكن تحتاج إلى عقول علماء وباحثين ومبتكرين يقدمون حلولا غير تقليدية ويحولون الأزمة إلى فرصة وعلى مستوى الاقتصاد فإن الدول التي راهنت على اقتصاد المعرفة استطاعت أن تتجاوز محدودية الموارد وأن تصدر خدمات ومنتجات قائمة على الذكاء والبرمجيات والتصميم والإبداع بدلا من الاعتماد على المواد الخام فقط وهذا ما يجعل الاستثمار في العقول هو الضمان الحقيقي للاستقلال الاقتصادي وتقليل الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية وفي المجال الاجتماعي يلعب العقل المستنير دورا محوريا في بناء مجتمع متماسك يعرف حقوقه وواجباته ويواجه الشائعات بالوعي ويواجه التطرف بالفكر ويواجه الفساد بالشفافية فالتعليم الجيد ينتج مواطنا قادرا على المشاركة وصناعة القرار وقادرا على التمييز بين الحقيقة والدعاية وقادرا على احترام الاختلاف والعمل الجماعي ولكي ينجح الاستثمار في العقول لابد أن يبدأ من الطفولة المبكرة من خلال مناهج تعتمد على الفهم والتجربة وليس الحفظ فقط ومن خلال معلم مؤهل ومحترم ومقدر ماديا ومعنويا لأن المعلم هو صانع العقول الأول كما يجب إعادة الاعتبار للبحث العلمي وزيادة ميزانيته وربطه بمشاكل الصناعة والزراعة والصحة في المجتمع حتى لا يبقى حبيس الأوراق والمؤتمرات ويجب إنشاء حاضنات أعمال ومراكز ابتكار داخل الجامعات لاحتضان أفكار الطلاب وتحويلها إلى مشروعات ناشئة توفر فرص عمل وتحقق دخلا قوميا كما أن على الإعلام دور في تغيير الصورة الذهنية وتقديم النموذج الناجح للعالم والباحث والمخترع ليكون قدوة للشباب بدلا من التركيز على التفاهة والاستهلاك وإن مواجهة ظاهرة هجرة العقول تتطلب سياسات واضحة تعطي الباحث والمبتكر بيئة آمنة وتمويلا مستمرا وتقديرا مجتمعيا وفرصا للترقي حتى لا يبحث عنها في الخارج كما أن الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ضرورية لتمويل المنح الدراسية والمسابقات العلمية وبرامج تبادل الخبرات مع العالم إن الأمم لا تنهض بالمشروعات الكبرى وحدها ولكن تنهض بالعقول التي تخطط وتنفذ وتطور هذه المشروعات فالجسر والطريق والمصنع هي نتيجة لفكرة سبقتها وعقل آمن بها وعمل من أجلها ولهذا فإن أي خطة تنمية حقيقية لابد أن تضع الإنسان في المركز وأن تجعل من التعليم والصحة والبحث أولوية قصوى في الموازنة وفي السياسات وفي الخطاب العام لأن العائد من جنيه واحد ينفق على عقل طفل اليوم سيعود بأضعافه بعد عشرين عاما في صورة عالم أو مهندس أو طبيب أو معلم يبني وطنه ويحميه ويصنع له مكانة بين الأمم إن الاستثمار في العقول هو استثمار في الأمن القومي وفي السيادة وفي الكرامة وفي المستقبل وهو الخيار الوحيد الذي لا يخسر أبدا والذي يضمن أن الأجيال القادمة لن تبدأ من الصفر بل ستبدأ من حيث انتهى آباؤها وستكمل مسيرة البناء بوعي أكبر وبأدوات أقوى وبقدرة على مواجهة عالم لا يعترف إلا بالأذكى والأكثر إنتاجا والأكثر قدرة على التعلم والتجديد
احمد السيد يكتب: الاستثمار في العقول الضمان الحقيقي للاستقلال

