Site icon بوابة العمال

ياسر السجان يكتب: نوافذ الكراهية

زمان كان الباب مفتوحا والجيران أهل والشارع أمان والكلمة الكبيرة لها قيمة والعيب عيب والحرام حرام وكان الأب كلمته سيف والأم دعوتها حصن وكان العار يغطى بالصمت لا بالتصوير وكان الخلاف ينتهي بقعدة عرفية لا بسكين في الشارع.

أما اليوم فالعنف دخل بيوتنا ضيفا ثقيلا لا يستأذن صرنا نسمع كل صباح عن حادث جديد دم في المدرسة طعن في المترو قتل بسبب تعليق ذبح بسبب نظرة ضرب بسبب أغنية صرنا نرى أطفالا يحملون كرها أكبر من أعمارهم وشبابا يبيعون الغضب فيديوهات ويتاجرون بالدم مقابل مشاهدة
الفرق ليس فقط في الجريمة الفرق في القلب الذي مات الفرق في أن زمان كان الناس يخافون من الفضيحة اليوم يبحثون عنها.

الفرق أن زمان كان الخطأ يتصلح بالكلمة اليوم يتصلح بالترند الفرق أن زمان كان العيب يربينا اليوم صرنا نربي العيب.

من الناحية النفسية نحن جيل محاصر بالضغط جيل تربى على المقارنة وتغذى على الاستفزاز وعاش في سباق من يصرخ أعلى من يهين أكثر من يثبت أنه الأقوى حتى لو بالدم أصبح الإحساس بالقيمة مرتبطا بعدد المتابعين لا بعدد المواقف النبيلة أصبح الشاب يرى أن الرجولة هي أن لا تسكت حتى لو كان الثمن جريمة وأن البنت ترى أن القوة هي أن ترد الإهانة بإهانة أكبر،
الغضب لم يعد انفعالا عابرا صار هوية صار سلاحا نستخدمه لنثبت أننا موجودون في عالم لا يسمع إلا الصوت العالي ولا يرى إلا الدم على الشاشة.

السوشيال سرقت منا الصبر علمتنا أن كل شيء فوري وأن كل رد لازم يكون في نفس اللحظة وأن أي تأخير ضعف فصرنا نرد قبل أن نفكر ونضرب قبل أن نسأل ونقتل قبل أن نعاتب.

المدرسة التي كانت تربي صارت مكانا للتنمر البيت الذي كان ملجأ صار ساحة حرب لأن الأب غائب في الشغل والأم غائبة في الهاتف والأبناء غائبون في عالم افتراضي يعلمهم أن العنف حل وأن الانتقام شرف وأن الضعيف يستحق أن يداس.

زمان كان الفقير يستحي أن يمد يده اليوم صار يستحي أن يسكت عن حقه حتى لو أخذه بيده زمان كان الغني يخاف على سمعته اليوم صار يشتري السمعة بفيديو اعتذار بعد الفضيحة.

نحن لا نواجه أزمة أخلاق فقط نحن نواجه أزمة فراغ فراغ عاطفي فراغ ديني فراغ قدوة فراغ حوار داخل البيت فامتلأ الفراغ بالصراخ وبالعنف وبالدم.

أخطر ما يحدث أننا تعودنا تعودنا على خبر القتل كما نتعود على خبر الطقس تعودنا على فيديو الضرب كما نتعود على إعلان تعودنا أن نمرر ونكمل كأن شيئا لم يكن
ولكن الدم لا يمر الدم يترك أثرا في نفس طفل شاف أبوه ينهار في نفس، أم فقدت ابنها في نفس شارع كان آمنا وصار مقبرة مفتوحة.

العنف الدخيل علينا ليس سكينا فقط العنف كلمة جارحة في تعليق، العنف تشهير في جروب العنف استفزاز متعمد ثم تصوير ثم شماتة هذا كله عنف يمهد للدم.

الحل ليس في قانون أشد فقط الحل أن نرجع نربي الحل أن نرجع نقعد مع بعض بدون هواتف الحل أن نعلم أولادنا أن القوة في أن تمسك نفسك عند الغضب وأن الرجولة في أن تعفو وأن الشهامة أن تستر لا أن تفضح

آن لنا أن نغلق نافذة الكراهية التي فتحناها بأيدينا وآن لنا أن نرجع للشارع هيبته وللبيت دفئه وللكلمة وزنها قبل أن يأتي اليوم الذي لا نجد فيه أحدا نبكي عليه لأنه لم يبق أحد.

ياسر السجان يكتب: نوافذ الكراهية

Exit mobile version