لم نكن نتخيل أن نعود بالزمن إلى الوراء وأن نصل إلى مرحلة يُحال فيها صحفى إلى التحقيق داخل نقابته بحضور مستشار من مجلس الدولة ورئيس لجنة القيد فقط لأنه استخدم حقه الدستورى فى الشكوى والتعبير عن الرأى. هذا ما كشفته مستندات حصلنا عليها من زميل صحفى بإحدى المؤسسات القومية الكبرى من محافظة الشرقية حيث تقدمت شكوى منسوبة لمحافظ الشرقية ضده على خلفية شكاوى تقدم بها الزميل لرئاسة الجمهورية ووزارة التنمية المحلية يرصد فيها مخالفات إدارية والنتيجة أن النقابة قيدت الشكوى برقم 22 لسنة 26 وأحالت الزميل للتحقيق.
منذ متى أصبحت الشكوى جريمة؟ ومنذ متى أصبح التبليغ عن الفساد سبباً للمثول أمام لجنة تحقيق؟
الواقعة ليست الأولى فى الشرقية ففى ديسمبر 2025 كتبنا عن هدم الأسوار ومحاولة كسر الصحافة فى الشرقية عندما اقتحمت فرقة من الوحدة المحلية منزل زميل صحفى بصحيفة قومية وأتلفت أسواره بعد أيام من تقدمه ببلاغ عن مخالفات بناء. حينها قلنا إن الأمر تحول من نزاع إدارى إلى قضية رأى عام تمس حرية الصحافة وحرمة الملكية الخاصة.
واليوم يتكرر المشهد ولكن بأداة جديدة باستخدام آلية الشكوى بالنقابة. بدلاً من هدم الأسوار بالبلدوزر يتم الآن هدمها بالأوراق والتحقيقات.
بحسب المستندات التى قدمها الزميل لنا وروايته كل ما فعله أنه تقدم بشكوتين الأولى لرئاسة الجمهورية والثانية لوزيرة التنمية المحلية يشكو فيهما من مخالفات إدارية رآها واجباً عليه كصحفى ومواطن أن يبلغ عنها.
ويتضمن ما ورد فى الشكوى المنسوبة اعتراضاً على استعمال الحق فى التعبير عن الرأى أو تقديم شكاوى للجهات المختصة هكذا حرفياً.
وبناء عليه انعقدت جلسة تحقيق داخل النقابة بحضور مستشار من مجلس الدولة ورئيس لجنة القيد والزميل يواجه تهمة أنه اشتكى.
وهنا نتوقف عند نقطة فى غاية الخطورة الزميل تم منعه من الحصول على صورة من الشكوى المنسوبة المقدمة ضده.
السؤال موجه مباشرة لنقيب الصحفيين كيف يُسمح بحرمان زميل من أبسط حقوقه القانونية؟
كيف يُحال صحفى للتحقيق ولا يُعطى صورة من الاتهام الموجه إليه ليدافع عن نفسه؟ ولمصلحة من يتم إخفاء نص الشكوى عنه؟
هذا الإجراء يضرب فى عمق مبادئ المحاكمة العادلة ويحول التحقيق من آلية إنصاف إلى أداة عقاب.
والأخطر أن الاتهامات الموجهة للزميل وصلت إلى النشر و استغلال مهنته فى النشر.
منذ متى يصبح عمل الصحفى جريمة؟ ومنذ متى يُحاسب الصحفى على استخدام أدواته فى إظهار الحقيقة؟
هذه الاتهامات لا تحول الصحفى إلى قلم مرتعش فقط بل إلى قلم يُقصف. فإذا كان الصحفى يُلام على النشر فماذا تبقى من معنى للصحافة؟ وإذا كان يُلام على استغلال مهنته فى كشف المخالفات فمن إذن المفترض أن يكشفها؟
نحن لا نشك فى دور النقابة فى حماية أعضائها لكننا نسأل بمرارة.. كيف تقبل نقابة الصحفيين أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإدارية؟ الدستور فى المادة 65 يكفل حرية الرأى والمادة 70 تكفل حرية الصحافة وقانون تنظيم الصحافة والإعلام 180 لسنة 2018 يؤكد حق الصحفى فى الحصول على المعلومات والتواصل مع المسؤولين. فأى منطق هذا الذى يجعل تقديم شكوى للجهات الرقابية سبباً للتحقيق مع صحفى فى مؤسسة قومية؟
إذا كان التبليغ عن الفساد جريمة فماذا تبقى للصحافة من دور؟
الأخطر ليس فى التحقيق مع زميل واحد. الأخطر فى الرسالة التى تصل لكل صحفى فى مصر اسكت.. لو اشتكيت هتتحاسب. هذه الرسالة إن مرت دون رد حاسم ستكون طعنة فى قلب الحرية والشفافية التى تنادى بها الدولة.
الرئيس السيسى أكد مراراً أن الشفافية هى أقوى أدوات الردع. فكيف نكافح الفساد ونحن نعاقب من يكشفه؟ وهنا نسأل. هل وصل بنا الحال إلى أن نتحدث عن شكوى منسوبة لمحافظ فى الحكومة المصرية ضد صحفى لأنه مارس حقه فى التعبير؟
وكيف تستطيع الصحافة ممارسة عملها فى ظل هذا الوضع الذى وصلنا إليه؟ العالم يراقب وهناك منظمات حقوق الإنسان الدولية تنتظر وتتربص بأى سابقة من هذا النوع وما تصدق أن يُقال إن محافظاً يحاول أن يقصف قلماً، هل وصلنا إلى هذه الدرجة؟
المحافظ ممثل السلطة التنفيذية فى الإقليم ومن واجبه فتح أبواب الديوان للصحافة لا غلقها ومن واجبه التحقيق فى الشكاوى لا التحقيق مع صاحب الشكوى. فى الواقعة الأولى هدموا سوراً من الطوب وفى الواقعة الثانية يحاولون هدم سوراً أهم سور الحرية.
الصحافة ليست خصماً للدولة الصحافة شريك فى الإصلاح. حين نمنع الصحفى من الدخول لديوان المحافظة وحين نحيله للتحقيق لأنه اشتكى فإننا لا نعاقب شخصاً.. نعاقب حق المواطن فى المعرفة.
مطلبنا واضح وبسيط. وقف التحقيق فوراً مع الزميل لأن الشكوى حق دستورى أصيل.
تسليمه فوراً صورة من الشكوى المنسوبة المقدمة ضده باعتبارها حقاً أصيلاً في الدفاع. فتح تحقيق عاجل فى أسباب تقديم الشكوى المنسوبة ضد صحفى بسبب أدائه المهنى. وموقف واضح من نقيب الصحفيين يؤكد أن النقابة لن تكون أداة لمعاقبة أعضائها على ممارسة حقهم.
نحن فى انتظار رد.. رد من ديوان محافظة الشرقية ورد من النقابة ورد من كل من يؤمن أن الوطن لا يُبنى بالصمت. ونؤكد أننا نحتفظ بكافة المستندات التى قدمها الزميل وتخص الواقعة. فالكلمة الصادقة لا تُهدم بأسوار من الطوب ولا تُكسر بملفات تحقيق. الكلمة الحرة هى صمام أمان الوطن.
وللحديث بقية…
ابراهيم العمدة يكتب: عهد قصف الأقلام عاد.. وشكوى منسوبة لمحافظ الشرقية تحيل صحفياً للتحقيق!

