ما الذي يحدث لأبنائنا بعد الثانوية العامة؟ وأين يذهب الطالب الذي أنهكه عام كامل من الامتحانات والقلق والانتظار، ثم خرج من معركة الثانوية العامة بمجموع يدور في فلك الخمسين في المائة؟ هل أصبح مستقبله حقا مرهونا بمن يدفع أكثر؟
السؤال ليس افتراضيا، فالمشهد أمامنا كل عام يتكرر، والضحية واحدة: أسرة مصرية تحاول أن تنقذ ابنها أو ابنتها من شبح الجلوس في البيت، فتبدأ رحلة البحث عن «معهد عالٍ» يحمل في اسمه كلمات براقة مثل: الحاسبات، الذكاء الاصطناعي، نظم المعلومات، البرمجة… كلمات تبدو كأنها مفتاح المستقبل، فإذا بالأسرة تكتشف أن المفتاح له ثمن!
ثلاثون ألف جنيه هنا، وعشرون ألفا هناك، وخمسة عشر ألفا في مكان آخر، ثم تبدأ الحكاية برسوم فتح ملف قد تصل إلى ثلاثة آلاف جنيه، تحت مسمي فتح دوسيه أو ملف التقديم !!
وقبل أن يعرف الطالب أصلا ماذا سيدرس؟ ومن سيدرسه؟ وما طبيعة البرنامج؟ وهل هو بالفعل برنامج متخصص في نظم المعلومات الإدارية أو البرمجة أو الذكاء الاصطناعي، أم مجرد عنوان جذاب على لافتة كبيرة؟
المشكلة ليست في وجود المعاهد الخاصة، ولا في التعليم الاستثماري من حيث المبدأ، وإنما في أن يتحول التعليم إلى بيع للوهم. أن يدفع ولي الأمر مدخراته بحثا عن شهادة، ثم يكتشف أن بعض المواد التي يتلقاها ابنه بعيدة عن التخصص الذي اختاره، وأن التدريس يتم أحيانًا بواسطة معيدين أو خبراء لا يمتلكون التخصص الدقيق في الذكاء الاصطناعي أو البرمجة، بينما تستمر العجلة: محاضرات، امتحانات، سنوات تمر، وفي النهاية شهادة.
شهادة وخلاص!
وهل تكفي الشهادة وحدها في سوق عمل لا يعترف إلا بالمهارة؟
الطلاب أنفسهم ليسوا مسؤولين عن هذه المأساة. نحن أمام جيل دفع ثمن نظام تعليمي مرهق، وكانت نتيجته أن أكثر من 206 آلاف طالب وطالبة وجدوا أنفسهم بين الراسبين وطلاب الدور الثاني، بينما تدور درجات نسبة كبيرة منهم في دائرة الخمسين في المائة. وهؤلاء هم الأكثر تعرضًا لاستنزاف أموال أسرهم، لأن أبواب كثيرة تُغلق أمامهم، فتُفتح لهم أبواب المعاهد الخاصة… ولكن بمصروفات لا يقدر عليها الجميع.
وحتى التعليم الحكومي، الذي ظل لعقود الملاذ الأقل كلفة، لم يعد بعيدًا تمامًا عن هذه الدائرة؛ فهناك الجامعات الأهلية والبرامج الخاصة ونظام الساعات المعتمدة «الكريدت»، بما يحمله أحيانًا من أعباء مالية جديدة على الأسرة.
فإلى متى؟
لقد قال طه حسين، قاهر الظلام ووزير المعارف الأسبق، إن التعليم كالماء والهواء. أما اليوم فيبدو أن الماء والهواء نفسهما أصبحا يحتاجان إلى «مصروفات إدارية» و«فتح ملف»!
التعليم ليس سلعة، والطالب ليس مشروعًا استثماريًا، وولي الأمر ليس ماكينة صراف آلي.
نحن لا نريد إغلاق المعاهد الخاصة، بل نريد رقابة حقيقية، ومناهج حقيقية، وأساتذة متخصصين، وتدريبًا حقيقيًا، ومحاسبة لكل من يبيع للناس شهادة بلا علم، أو مستقبلًا بلا مستقبل.
فالبلد التي تريد أن تدخل عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تفعل ذلك بعقول تُدرَّب على الحصول على الشهادة فقط.
نريد تعليمًا يصنع إنسانًا قادرًا على العمل… لا ورقة تعلق على الحائط.!!
د.فتحي عامر يكتب: حين يصبح التعليم سلعة ويباع الوهم باسم المستقبل

