أكتب هذه الكلمات ردًا على ما نشره الزميل العزيز قطب المنقبادي بشأن ما وصفه بمؤامرة بيع مقر الحزب العربي الديمقراطي الناصري بأسيوط، مؤكدًا أنني كلنا معك يا أستاذ قطب في موقفك الرافض لفكرة بيع هذا المقر، لأن القضية بالنسبة لنا ليست مجرد مبنى أو جدران، وإنما قضية تاريخ وذاكرة ومواقف وطنية.
فمقر الحزب الكائن بشارع 11 مسجد الحق بحي السادات في أسيوط، لم يكن يومًا مجرد عنوان لحزب سياسي، وإنما كان مساحة مفتوحة أمام المواطنين لعرض همومهم ومشكلاتهم، ومنبرًا للنقاش والحوار حول قضايا الوطن والمواطن، وملتقى لعدد من أبناء الحركة الوطنية والسياسية بالمحافظة.
وهنا أتحدث عن تجربة شخصية؛ فقد تعلمت في هذا المكان، وعلى يد أستاذنا الدكتور أحمد ياسين نصار، الكثير من معاني العمل العام والحوار السياسي واحترام الرأي والرأي الآخر، وكان هذا المقر مدرسة حقيقية لكل من أراد أن يفهم معنى المشاركة والعمل من أجل الناس.
ومن هذا المكان، وفي أجواء سياسية ووطنية سبقت ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو، كان هناك حراك سياسي وفكري شارك فيه العديد من أبناء أسيوط، وفي مقدمتهم قامات وشخصيات تركت بصمة في تاريخ العمل العام، من بينهم الأستاذ أحمد ياسين نصار، وعبدالرحمن أبو لبدة، والأخ العزيز عباس مشهور، والأستاذ عبدالرحمن، ومحمود العسقلاني وغيرهم من أصحاب الفكر والمواقف الوطنية.
ويعود تاريخ الحزب الناصري في أسيوط إلى بدايات تأسيس تجربته بالمحافظة عام 1993، عندما تحرك عدد من الناصريين الأوائل، من بينهم الدكتور أحمد ياسين نصار، والدكتور مصطفى القاضي، والأستاذ محمد أمين، والمناضل ناجح عدلي، وخميس ثابت، ومحمد عبدالدايم، وعاطف مراد وغيرهم، لتأسيس تجربة سياسية وفكرية كان لها حضورها في الشارع الأسيوطي.
وكان قرار شراء المقر في ذلك الوقت يحمل دلالة مهمة، وهي الحفاظ على استقلالية الكلمة والقرار، وعدم التأثر بأحد في مواقف الحزب وقراراته، ليظل المقر بيتًا للحزب وأعضائه ومكانًا للعمل السياسي والفكري.
القضية ليست بيع حوائط.. وإنما بيع ذاكرة
إن الحديث عن بيع مقر الحزب يثير العديد من علامات الاستفهام التي تستوجب الوضوح والشفافية.
فهذا المقر ارتبط في وجدان أجيال من أبناء أسيوط بالعمل السياسي والنقاش العام واستقبال المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم، ومن ثم فإن من حق أعضاء الحزب وقياداته وقواعده، وكذلك كل من ارتبط بهذا المكان، أن يعرفوا حقيقة الوضع القانوني للمقر، وسند ملكيته، وأسباب طرح فكرة البيع، والجهة صاحبة القرار، وكيف تم تقييم المبنى والأرض، قبل اتخاذ أي خطوة تمس هذا الإرث.
ولا يعني المطالبة بالشفافية توجيه اتهامات إلى أحد، فنحن لا نصدر أحكامًا على أشخاص، ولا نتهم أحدًا دون مستندات، ولكننا نطالب بوضوح بـالشفافية الكاملة، والتحقق من كل ما يثار حول الموضوع، والتحقيق في أي مخالفات أو شبهات إن وجدت، وطرح الحقائق كاملة أمام أعضاء الحزب والرأي العام.
أما تحويل القضية إلى مجرد صفقة عقارية، فهو اختزال لتاريخ طويل من العمل العام والسياسي في أسيوط.
أما عبارة «بيع يا عواد»، فهي في هذا السياق ليست مجرد كلمات، وإنما تحمل رسالة احتجاج واضحة على فكرة التفريط في مقر يمثل جزءًا من ذاكرة الحركة السياسية في أسيوط.
فالحزب قد يتغير، والقيادات قد تتبدل، والأجيال تتعاقب، لكن التاريخ لا يُباع، والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في صفقة.
ونحن مع الأستاذ قطب في موقفه الرافض لبيع المقر، ومع كل من يطالب بالحفاظ على هذا المكان، على أن تكون المواجهة بالقانون والمستندات والشفافية، بعيدًا عن التجريح أو الاتهامات غير الموثقة.
لقد كان هذا المقر متنفسًا للمواطن الأسيوطي، وبيتًا للفكر والحوار، وشاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ العمل السياسي بالمحافظة.
ومن هنا أقولها بكل وضوح:لا للبيع.. لا للبيع.. لا للبيع.
مقر الحزب الناصري بأسيوط ليس مجرد جدران.. إنه ذاكرة أجيال، وشاهد على تاريخ من العمل العام، ومساحة ارتبطت بأصوات المواطنين وأحلامهم ومشكلاتهم.
كلنا معك يا أستاذ قطب.. فالحفاظ على الذاكرة ليس تمسكًا بالماضي، وإنما احترام لتاريخ صنعه رجال آمنوا بأن الوطن والمواطن يستحقان أن ندافع عنهما.
محمود العسيري يكتب: «لا للبيع».. مقر الحزب الناصري بأسيوط ذاكرة وطنية لا يجوز التفريط فيها

