Site icon بوابة العمال

يوسف عبداللطيف يكتب: مأزق “العمل المؤسسي”.. حين ينطق “سري الدين” بلسان حال الوفد!

على باب “بيت الأمة”، التقيت بصديقي الوفدي القديم “عاشور العايق”، كان يمسك بنسخة مطبوعة من المقترحات الأخيرة للائحة الحزب ويضرب كفا بكف قائلا بأسى: “يا أستاذ يوسف، الوفد الذي علم المصريين العمل الحزبي المنظم، يواجه اليوم محاولات لتغيير هويته الليبرالية وإدارته بآليات تبتعد عن التقاليد البرلمانية العريقة!”، تذكرت وقتها مقولتي القديمة بأن بعض الكلمات إذا خرجت من أفواه رجال القانون والمؤسسات، وجب على الجميع الانتباه والتحليل.

أنا والدكتور هاني سري الدين خطان متوازيان لا يلتقيان؛ اختلافي معه في الرؤى والتوجهات الحزبية والسياسية يملأ دفاتر الوفد، ولسنا هنا في معرض الإشادة السياسية.

لكن، عندما يصدر بيان من فقيه قانوني بوزن عضو الهيئة العليا، يفكك فيه بنود “المسودة المطروحة” للائحة الحزب، ويضع يده على مواطن الخلل في آليات الإدارة الحالية، فلا يملك أي وفدي يحمل جينات العمل المؤسسي إلا أن يولي هذا البيان الاهتمام الكامل والدعم لإنقاذ مسار الحزب.

البيان الصادر عن الدكتور هاني سري الدين لم يكن مجرد صرخة احتجاج، بل كان تقييما قانونيا وتنظيميا حادا لمستقبل الوفد.

وأكثر ما يثير الدهشة في المشهد الحزبي الحالي هو طرح مسودة لتعديل اللائحة وصفت بأنها تكرس لمركزية القرار، بدلا من تعميق الديمقراطية الداخلية التي قام عليها الحزب تاريخيا، لتتحول المقترحات الجديدة إلى مسار يتناقض مع ثوابت التعددية الحزبية.

لقد وضع سري الدين مبضع جراحه القانونية على ما وصفه ب “المخالفات اللائحية الجسيمة” في الإدارة التنفيذية للحزب؛ حيث أشار البيان إلى صدور قرارات منفردة بحل اللجان الإقليمية بالمحافظات، بالمخالفة الصريحة للائحة السارية التي تنص على استمرار عمل الهيئة الوفدية لحين إجراء الانتخابات.

واللافت للنظر، أن التشكيلات الجديدة استندت إلى التعيين المباشر ونظام “التشكيل النسبي” (50% قدامى و50% جدد)، وهو ما اعتبره البيان افتكاسة تنظيمية غريبة تناقض اعتماد الانتخاب كأداة وحيدة للاختيار الديمقراطي؛ حيث أكد سري الدين في بيانه: “لقد اقتصر التشكيل على تعيين الأنصار والموالين.. مما يفتح الباب لأي مستبعد للطعن على الهيئة الوفدية مستقبلا من أسوان إلى الإسكندرية”.

المواطن الوفدي البسيط يسمع كلمة “حزب الوفد” فيستدعي تاريخ سعد زغلول ومصطفى النحاس، لكنه حين يتابع الواقع التنظيمي الحالي يصطدم بأزمات الاستبعاد وتصفية الحسابات؛ فأن يشهد الحزب إقصاء ممنهجا تجاوزت نسبته ال 30% –وفقا لإحصاءات بيان سري الدين– لاستبعاد الكوادر التي مارست حقها الديمقراطي في دعم مرشحين آخرين في انتخابات الرئاسة السابقة، لهي ممارسة غريبة على بيئة العمل الليبرالي.

والنقد القانوني هنا يكشف خطورة تمرير نصوص تمنح صلاحيات واسعة وغير متوازنة للإدارة الفردية، وتطلق العنان للتصرف المطلق في الشؤون المالية والإدارية والسياسية دون رقابة فعلية من الهيئات الحزبية الكبرى.

والانشغال بتعديل اللوائح وتكريس المركزية في هذا التوقيت بالذات يمثل تراجعا عن مواجهة التحديات الهيكلية والمالية المرعبة التي تهدد وجود الحزب؛ فالمنظومة الإعلامية للوفد تعيش أزمة تمويلية طاحنة تتفاقم يوميا وتهدد مستحقات العاملين وتأميناتهم.

وبدلا من التركيز على تحصيل أموال الحزب لدى الغير أو وقف فك الودائع الحالية التي تكبد الكيان خسائر إضافية، تم توجيه الجهد التنظيمي نحو تعديلات قانونية تعمق الانقسام الداخلي وتؤدي إلى تآكل وجود الحزب وغيابه عن الشارع المصري.

الآليات التي طرحها سري الدين للإنقاذ لا تقف عند حدود النقد، بل تقدم مسارات إصلاحية واجبة النفاذ:

أولا: الالتزام الصارم بنص المادة 31 من اللائحة واعتماد الانتخابات آلية وحيدة لتشكيل اللجان المركزية والعامة.
ثانيا: تشكيل لجنة علنية مستقلة لتطبيق معايير التخصص والخبرة في اللجان النوعية، منعا لشبهات المجاملة أو الحشد الانتخابي وتأثير المصالح الخاصة.
ثالثا: سحب المسودة الحالية فورا، ونشر المقترح المتوازن المودع من قيادات الحزب (علاء شوالي، وفؤاد بدراوي، وياسر حسان) ليكون أساسا لحوار وفدي موسع يستمر 6 أشهر.

صديقي “عاشور العايق”، وهو يطوي نسخة مقترحات اللائحة مع غروب الشمس فوق مبنى الحزب، نظر إلي وقال بتهكم لاذع: “يا أستاذ يوسف.. الأحزاب الكبرى تبنى بالشورى وصندوق الانتخاب، واليوم يراد للوفد أن يدار بقواعد التعيين الفوقي.. الأصول التنظيمية تتراجع، والكيان يدفع الثمن!”

وسط زحمة السجالات السياسية، تظل خلاصة بيان الدكتور هاني سري الدين هي الحقيقة العارية: الأحزاب التاريخية ليست ملكية خاصة تدار بالأهواء الذاتية، والوفد خلق ليكون حارسا للديمقراطية وضميرا للأمة، لا ساحة لتكريس الصلاحيات المنفردة وتصفية الحسابات. العمل الحزبي الحقيقي يتطلب الالتزام بالمؤسسية، والحق دائما أحق أن يتبع!

يوسف عبداللطيف يكتب: مأزق “العمل المؤسسي”.. حين ينطق “سري الدين” بلسان حال الوفد!

Exit mobile version