كل عام يضع آلاف الشباب أرواحهم في قارب خشبي متهالك لا يتسع لأحلامهم ويتركون وراءهم رسالة قصيرة لأم باعت كل ما تملك “سأصل وأعوضك عن كل شيء” البعض يصل والكثير لا يصل وبين هذا وذاك قصة أكبر من مجرد عبور غير قانوني قصة عن وهمٍ صنعت بإتقان فالهجرة ليست قراراً بل عدوى حلم.
الشاب الذي يركب البحر لا يهرب من الفقر فقط، بل يهرب من مقارنةٍ يومية قاتلة من خلال صور لصديقٍ قديم في إحدى المدن الأوروبية بملابس أنيقة وخلفية لمبنى زجاجي. يرى مقاطع تيك توك عنوانها “راتبي في أول شهر في أوروبا”. يرى عملة صعبة تتحول في بلده إلى مبلغ ضخم.
لا أحد ينشر صورة غرفة ضيقة يتقاسمها مع ستة أشخاص، ولا طابور العمل في البرد ولا شعور الغربة والتمييز. ما ينشر هو قمة جبل الجليد، وما يخفى هو الجبل كله من هموم وغربة مدفوعة الثمن.
هنا تتحول الهجرة من خيار إلى ضرورة نفسية لإثبات الذات أمام الاهل والقرية والأصدقاء.
وهنا يظهر تاجر الأوهام الذي يعتبر أخطر من البحر فالمهرب لا يبيع لك رحلة بل يبيع وهما يقول لك: ” القارب آمن، الطريق مجرب، السائق محترف، وخلال ثلاث ساعات ستكون هناك”
ولكن هناك حقيقة يخفيها ولم ولن يقولها وهي إن القارب الذي يتسع لـ 10 أشخاص سيُحشر فيه 40 شخصا
و “السائق المحترف” هو في الغالب شاب مثلك تماماً أُجبر على القيادة لأول مرة.
واذا تفضل وتكرم عليك وكان كريما يأتيك سترة النجاة التي قد تكون مزيفة ومحشوة بالإسفنج الرخيص الذي يمتص الماء.
غالبا شبكات التهريب اليوم ليست أفراداً، بل منظومة اقتصادية عابرة للقارات، تربح مليارات الدولارات سنوياً. هي لا تريدك أن تصل بسلام بقدر ما تريدك أن تدفع. أنت بالنسبة لهم لست مهاجراً، أنت بضاعة قابلة للاستهلاك.
نحن هنا لا نتحدث عن آلاف الدولارات التي ستدفع ثمن الرحلة، لكن الثمن الحقيقي لا يُدفع بالدولار وهو روح الإنسان مع تنوع طرق الهجرة غير الشرعية تتنوع الوفيات سواء غرق، أو اختناق في حاوية نقل بضائع أو تعذيب وابتزاز في مخازن على الحدود لطلب فدية إضافية من الأهل.
ناهيك عن الألم النفسي فمن ينجو ويصل، يبدأ رحلة أخرى أشد قسوة. صدمة العبور، الشعور بالذنب لأن صديقه غرق بجانبه، والخوف الدائم من الترحيل لأنه بلا أوراق. فيصبح عالقاً في ظل الاقتصاد الأسود، يعمل 12 ساعة بلا تأمين ولا حقوق، ولا يستطيع حتى الذهاب للمستشفى.
الشباب يفضلون القارب عن الطائرة
لأن الطائرة لها شروط واضحة: لغة، مهارة، دراسة، تأشيرة، خطة. والقارب له شرط واحد: أن تدفع وتغمض عينيك.
وهنا الفخ الأكبر. الهجرة النظامية تبدو صعبة وطويلة، لكنها تحفظ كرامتك وحياتك. تتعلم لغة، تطور مهارة مطلوبة عالمياً كالبرمجة والتمريض والكهرباء واللحام، تقدم على منح دراسية أو عقود عمل موسمية. قد تأخذ منك سنة أو سنتين، لكنها توصلك واقفاً على قدميك.
أما القارب، فيعدك أن يختصر السنتين في ليلتين، لكنه في الحقيقة قد يختصر حياتك كلها في ليلتين.
البحر لا يسأل عن أحلامك، ولا عن شهادتك، البحر يسأل فقط: هل تعرف السباحة؟
الهجرة غير الشرعية ليست بطولة. البطولة الحقيقية أن تبقى، وتتعلم، وتقاتل لتصنع جواز سفرك بمهارتك، لا أن تشتري تذكرة وهمية لقارب من ورق.
طاهر إدريس يكتب:ثمن العبور المر وكوابيس قاع البحر

