Site icon بوابة العمال

ا.د عصام قمر يكتب: صمت المثقفين خسارة كبرى في زمن الأزمات

ليس أخطر على المجتمع من أن يصمت المثقفون في الوقت الذي يحتاج فيه المجتمع إلى أصواتهم.

فالمثقف ليس مواطنًا عاديًا؛ فهو يمتلك من المعرفة والوعي والقدرة على التحليل ما يجعله أكثر قدرة على رؤية الخلل، وفهم أسبابه، واقتراح سبل الخروج منه. ولذلك فإن صمته عن القضايا الجوهرية ليس مجرد موقف شخصي، بل قد يتحول إلى خسارة عامة.

في قضايا التعليم والصحة والتنمية والاقتصاد والسياسة والثقافة، توجد مشكلات ثقيلة تؤثر في حاضر المجتمع ومستقبله. ومع ذلك، كثيرًا ما نسمع أصواتًا تتحدث في التفاصيل والهامش، بينما تغيب الأصوات الجادة عن الأسئلة الكبرى: لماذا يتراجع التعليم؟ لماذا تتعثر التنمية؟ لماذا تتدهور الخدمات؟ لماذا لا نمتلك رؤية واضحة للمستقبل؟ وأين الخلل في السياسات التي تُدار بها شؤون المجتمع؟

لماذا يصمت المثقفون؟ربما يصمت بعضهم خوفًا من العقاب، أو خشية خسارة وظيفة أو مكانة أو امتياز. وربما يرى آخرون أن الكلام لا يغير شيئًا، وأن من سبقوهم تحدثوا كثيرًا ولم يتغير الواقع. وقد يكون بعضهم قد اعتاد السلامة، فأصبح يفضل الصمت على المواجهة.

لكن المشكلة أن اعتقاد المثقف بعدم جدوى الكلام قد يكون هو نفسه جزءًا من المشكلة..فالتغيير لا يبدأ دائمًا بقرار كبير؛ أحيانًا يبدأ بفكرة، أو مقال، أو دراسة، أو موقف شجاع يضع المشكلة أمام الناس وصناع القرار بوضوح.

والكلمة الصادقة قد لا تغير الواقع في يوم، لكنها تساهم في تشكيل وعي عام، والوعي هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح.

المثقف الذي يعرف المشكلة ويمتلك أدوات فهمها، ثم يختار الصمت، يترك الساحة لمن لا يملك المعرفة الكافية، فتُناقش القضايا الكبرى بالعاطفة والشائعات والمصالح الضيقة بدلًا من العلم والخبرة.

إن مسؤولية المثقف أكبر من مسؤولية المواطن العادي، لا لأنه أفضل منه، وإنما لأنه أكثر قدرة على الفهم والتفسير واقتراح الحلول. ومن امتلك المعرفة امتلك معها قدرًا من المسؤولية تجاه المجتمع.

ليت المثقفين لا يصمتون..ليتهم يختلفون، ويناقشون، وينتقدون، ويقترحون، ويصرون على طرح الأسئلة الصعبة، حتى لو لم تعجب إجاباتهم أحدًا.

فالدول لا تتقدم بالصمت، ولا تُصلح أخطاءها بالتصفيق..وحين يصمت من يعرف، يتقدم من لا يعرف ليتحدث باسم الجميع.

ا.د عصام قمر يكتب: صمت المثقفين خسارة كبرى في زمن الأزمات

Exit mobile version