مروة أحمد عبد العليم تكتب: ترحيل الأزمات.. مساعي اليمين الأوروبي لتوطين اللاجئين خارج الحدود وانعكاساته على الشرق الأوسط

في 10 سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض مصر المقترحات الرامية إلى إقامة مخيمات في دول جنوب المتوسط، ومن بينها مصر، لاستقبال لاجئين من الدول الأوروبية، مؤكدًا أن التعامل مع ملف الهجرة يجب أن يتم من خلال مقاربة شاملة تتناول أسباب الهجرة من جذورها، ودعم التنمية وتوفير فرص العمل والتدريب، إلى جانب تقاسم الأعباء وتعزيز قدرات الدول في إدارة الحدود.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تحولات متسارعة في المشهد السياسي الأوروبي، مع تنامي حضور الأحزاب اليمينية وصعود قضايا الهجرة والأمن في الخطاب السياسي، بما يطرح تساؤلات حول امتداد تأثير هذه التحولات إلى علاقات أوروبا مع دول الجوار، فضلًا عن مواقفها تجاه أزمات الشرق الأوسط.
صعود اليمين.. تحولات في المشهد السياسي الأوروبي
شهدت عدة دول أوروبية خلال الفترة الأخيرة تغيرات في موازين القوى السياسية، عكست تنامي حضور الأحزاب اليمينية بدرجات متفاوتة. ففي ألمانيا، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة INSA ونشرته صحيفة “دى فيلت” الالمانية في 16 مايو 2026، تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بنسبة 29%، مقابل 22% للتحالف المسيحي الديمقراطي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي و12% للحزب الاشتراكي الديمقراطي. وكان الحزب قد حصل على 38.2% من الأصوات في انتخابات ولاية مكلنبورج-فوربومرن في سبتمبر 2025، قبل أن يحقق في سبتمبر 2026 أول فوز له في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت.
وفي بريطانيا، تصدر حزب الإصلاح البريطاني (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج نتائج انتخابات المجالس المحلية في مايو 2026، بحصوله على 1,454 مقعدًا، مقابل 874 لحزب العمال، و717 للديمقراطيين الأحرار، و674 للمحافظين، و429 لحزب الخضر. كما تولى الحزب إدارة 14 مجلسًا محليًا كانت خاضعة لحزب العمال، من بينها بارنزلي ووالسول، بينما فقد حزب العمال السيطرة على مجلس مدينة برمنجهام.
وفي هولندا، تراجع حزب الحرية (PVV) بزعامة خيرت فيلدرز من 37 مقعدًا حصل عليها في انتخابات 2023 إلى 26 مقعدًا بعد انتخابات أكتوبر 2025، قبل أن ينقسم سبعة من نوابه في يناير 2026. وفي المقابل، ارتفع تمثيل منتدى الديمقراطية (FvD) من 3 إلى 7 مقاعد، بينما ارتفع عدد مقاعد حزب JA21 من مقعد واحد إلى 9 مقاعد.
أما في المجر، فقد أسفرت الانتخابات البرلمانية في أبريل 2026 عن حصول حزب تيسا بقيادة بيتر ماجيار على 53.18% من الأصوات و141 مقعدًا من أصل 199، مقابل 38.61% لتحالف فيدس-الديمقراطيون المسيحيون بقيادة فيكتور أوربان، لينتهي بذلك حكم أوربان الذي استمر 16 عامًا.
ولم يتوقف حضور اليمين الأوروبي عند نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة، بل استمر خلال الأشهر التالية بأشكال مختلفة، تراوحت بين تحقيق مكاسب انتخابية جديدة، وزيادة القدرة على التأثير في تشكيل الحكومات، وفرض بعض القضايا اليمينية على أجندة الأحزاب الرئيسية.
ففي إيطاليا برز دور قوى يمينية جديدة في معادلات تشكيل الائتلافات، وأصبح حزب فوكس في إسبانيا شريكًا محتملًا في أي ائتلاف حكومي.
وفي فرنسا، ظهر تأثير اليمين بصورة مختلفة، مع تبني الحكومة بعض المقترحات المرتبطة بتشديد شروط حصول الأجانب على بعض المساعدات الاجتماعية.
كما أظهر المشهد في السويد أن تراجع حزب الديمقراطيين السويديين انتخابيًا لم يمنع استمرار تأثيره على سياسات الهجرة، في حين ظل اليمين حاضرًا في إعادة تشكيل النقاش السياسي في دول أخرى مثل النمسا وبولندا.
وتوضح هذه التطورات أن صعود اليمين الأوروبي لا يسير وفق مسار واحد؛ فبعض الأحزاب حقق تقدمًا، بينما واجهت أخرى تراجعًا أو منافسة من قوى يمينية جديدة، إلا أن تنامي نفوذه لا يرتبط فقط بنتائج الانتخابات، وإنما أيضًا بقدرته على التأثير في الحكومات والأجندات السياسية، خاصة في ملفات مثل الهجرة والأمن.
الهجرة.. أحد انعكاسات صعود اليمين على دول الجوار
تُعد الهجرة من أبرز الملفات التي ارتبطت بصعود اليمين الأوروبي، مع تبني عدد من القوى اليمينية مواقف تدعو إلى تشديد سياسات الهجرة والحد من استقبال المهاجرين واللاجئين. ومع تنامي هذه التوجهات، لم تعد القضية مرتبطة فقط بكيفية إدارة الهجرة داخل أوروبا، وإنما امتدت إلى البحث عن ترتيبات للتعامل مع اللاجئين خارج الأراضي الأوروبية، بما في ذلك دول جنوب المتوسط.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في 10 سبتمبر 2026، رافضة المقترحات المتعلقة بإقامة مخيمات في دول جنوب المتوسط، ومن بينها مصر، لاستقبال لاجئين من الدول الأوروبية.
وأكد عبد العاطي أن معالجة الهجرة يجب أن تقوم على مقاربة شاملة تتعامل مع أسبابها من جذورها، وتدعم التنمية وتوفير فرص العمل والتدريب، إلى جانب تقاسم الأعباء وتعزيز قدرات الدول في إدارة الحدود.
وتبرز الحالة المصرية هنا باعتبارها مثالًا على انتقال تداعيات النقاش الأوروبي حول الهجرة إلى دول الجوار، بما يطرح اختلافًا بين توجهات تستهدف الحد من استقبال اللاجئين داخل أوروبا، ومواقف دول جنوب المتوسط بشأن الأدوار التي يمكن أن تضطلع بها في هذا الملف.
الشرق الأوسط في حسابات اليمين الأوروبي
لم تقتصر انعكاسات صعود اليمين الأوروبي على ملف الهجرة، وإنما امتدت إلى مواقف بعض القوى اليمينية من أزمات الشرق الأوسط والتطورات الأمنية في المنطقة. ووفق تحليل نشرته “Future UAE” في 6 مايو 2026، فقد انقسمت مواقف الأحزاب اليمينية الأوروبية من الحرب مع إيران التي بدأت في 28 فبراير إلى ثلاث مجموعات رئيسية. وضمت المجموعة الأولى حزب الإصلاح البريطاني، وحزب فوكس الإسباني، وحزب الحرية الهولندي، حيث أيدت هذه القوى الحرب، وربطت المواجهة مع إيران بالأمن الغربي. في المقابل، ضمت المجموعة الثانية التجمع الوطني الفرنسي، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وإخوة إيطاليا، واتخذت موقفًا معارضًا أو متحفظًا على الحرب، مستندة إلى مخاوف تتعلق بالاستقرار الإقليمي واحتمالات زيادة موجات الهجرة.
بينما اتخذت قوى أخرى، من بينها حزب فيدس المجري بقيادة فيكتور أوربان، موقفًا أكثر حذرًا. كما أظهر هذا الملف وجود اختلافات داخل بعض الأحزاب نفسها؛ ففي حزب البديل من أجل ألمانيا، اختلف المتحدث باسم الحزب للشؤون الخارجية مارتن فرونماير مع قيادة الحزب بشأن موقف دونالد ترامب، بينما أعلن نايجل فاراج لاحقًا رفضه انخراط بريطانيا في الحرب.
وربط تحليل “Future UAE” بين هذه المواقف وملف الهجرة، مشيرًا إلى أن إيران تستضيف نحو 3.8 مليون لاجئ ومهاجر أفغاني، وأن تصعيد الحرب قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة باتجاه أوروبا، كما أشار إلى أن بعض مؤيدي الحرب، ومن بينهم فاراج، طرحوا استضافة اللاجئين الناتجين عن التصعيد في دول الشرق الأوسط بدلًا من بريطانيا.
وتكشف هذه المواقف عن تباين داخل القوى اليمينية الأوروبية تجاه أزمات الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بالحروب والتدخلات العسكرية أو بالاستقرار الإقليمي وتداعيات الصراعات، مع بقاء ملف الهجرة حاضرًا كعامل مؤثر في بعض هذه المواقف.
خلاصة
يعكس تنامي حضور اليمين الأوروبي تحولًا في المشهد السياسي يتجاوز نتائجه الانتخابية، مع تزايد قدرته على التأثير في أجندات الحكومات والسياسات العامة. ويظهر ملف الهجرة إحدى أبرز ساحات هذا التأثير، ليس فقط من خلال تشديد السياسات داخل أوروبا، وإنما أيضًا من خلال طرح ترتيبات للتعامل مع اللاجئين خارجها، وهو ما ينعكس على دول جنوب المتوسط، كما توضح الحالة المصرية.
وفي الوقت نفسه، تمتد تداعيات صعود اليمين إلى السياسة الخارجية ومواقف القوى اليمينية من أزمات الشرق الأوسط، دون أن تتشكل رؤية موحدة بينها تجاه قضايا الحرب والأمن والاستقرار الإقليمي.
ومن ثم، فإن أهمية هذا التحول لا ترتبط فقط بحجم الحضور الانتخابي لهذه القوى، وإنما بمدى انعكاس أفكارها وأولوياتها على سياسات الحكومات الأوروبية وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي.
مروة أحمد عبد العليم تكتب: ترحيل الأزمات.. مساعي اليمين الأوروبي لتوطين اللاجئين خارج الحدود وانعكاساته على الشرق الأوسط







