Uncategorized

العمل الدولية : الذكاء الاصطناعي مساعد للصحفي وليس مصدرًا للمعلومات.. والمرجع الأصلي كلمة الفصل

 

كتبت/ أميرة عبدالله

قد يبدو الذكاء الاصطناعي واثقا وهو يقدم رقما أو اسم مسؤول أو تقريرًا في ثوانٍ، لكن هذه الثقة الظاهرية لا تعني بالضرورة أن المعلومة صحيحة.. تحذير واضح وجهته منظمة العمل الدولية للصحفيين من الوقوع في فخ «الهلوسة المعلوماتية»، بعدما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج معلومات تبدو دقيقة وموثوقة، بينما قد تكون في الحقيقة غير صحيحة.

وأكدت أسماء رزق، مسؤولة الإعلام وإدارة المعلومات بمنظمة العمل الدولية بالقاهرة، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مساعدا فعالًا للصحفي، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مصدر نهائي للمعلومات، مشددة على أن مسؤولية التحقق من كل رقم واسم ومعلومة تظل في النهاية على عاتق الصحفي، وأن الرجوع إلى المصدر الأصلي هو الفيصل قبل النشر.

من الخوارزميات إلى الذكاء الاصطناعي 

وأوضحت أسماء رزق، خلال حديثها عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمل الإعلامي، أن الخوارزميات ليست مرتبطة فقط بالذكاء الاصطناعي، وإنما كانت موجودة وتستخدم في العديد من التطبيقات اليومية قبل ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، مشيرة إلى استخدامها في أنظمة مثل إشارات المرور والمصاعد وأجهزة الصراف الآلي.

وأشارت إلى أن الخوارزميات تعتمد على البيانات والمعطيات التي يتم إدخالها إليها وتحليلها للوصول إلى نتائج محددة، بينما يعتمد الذكاء الاصطناعي على هذه الخوارزميات في تنفيذ مهام أكثر تعقيدًا، من بينها تحليل البيانات والتنبؤ، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي القادر على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات وغيرها من أشكال المحتوى.

ولفتت إلى أن الخوارزميات أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في المحتوى الذي يراه المستخدم على المنصات الرقمية، إذ تقوم بتحليل سلوكه واهتماماته، بما في ذلك نوعية المقاطع التي يشاهدها ومدة المشاهدة ومستوى التفاعل، ثم تستخدم هذه البيانات في اقتراح محتوى جديد.

وضربت مثالًا بمنصة «تيك توك»، موضحة أن شخصين قد يجلسان في المكان نفسه ويستخدمان المنصة ذاتها، لكن يشاهد كل منهما محتوى مختلفا، نتيجة اختلاف البيانات التي تعتمد عليها الخوارزميات في تحديد اهتمامات كل مستخدم.

ما يصل إلى الجمهور ليس بالضرورة الصورة الكاملة
وأكدت مسؤولة الإعلام وإدارة المعلومات بمنظمة العمل الدولية أن رحلة المحتوى الإعلامي من الواقع إلى الجمهور تمر بعدة مراحل، تبدأ بما يرصده الصحفي على أرض الواقع، ثم جمع المعلومات وإعداد المادة واتخاذ القرار التحريري بشأنها، قبل أن تتدخل المنصة الرقمية بخوارزمياتها في ترتيب المحتوى وطريقة عرضه للمستخدمين.

وأوضحت أن هذه المراحل تعني أن المحتوى الذي يصل إلى الجمهور في النهاية لا يمثل بالضرورة جميع تفاصيل الواقع، وإنما يتأثر بعملية الاختيار والتحرير وآليات توزيع المحتوى الرقمي.

غياب البيانات لا يعني غياب الظاهرة

وفيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في تناول القضايا الاجتماعية، ومنها عمل الأطفال، أوضحت أسماء رزق أن الحصول على إجابة دقيقة يتطلب تحديد السؤال وتفاصيله، لأن طرح سؤال عام مثل «عمل الأطفال» قد ينتج معلومات عامة لا تعكس جميع أبعاد الظاهرة الموجودة على أرض الواقع.

وأشارت إلى أنه كلما كانت التعليمات التي يقدمها الصحفي للأداة أكثر تحديدًا، أمكن الحصول على نتائج أكثر ارتباطا بالموضوع، موضحة أن الصحفي الذي يبحث عن معلومات حول عمل الأطفال في الزراعة أو المصانع أو العمل المنزلي أو الاقتصاد غير المنظم، عليه أن يحدد هذه الجوانب بوضوح.

وشددت على أن عدم ظهور معلومة معينة في إجابة أداة الذكاء الاصطناعي لا يعني أن هذه المعلومة أو الظاهرة غير موجودة في الواقع، وإنما قد يعني ببساطة أن البيانات المتاحة للأداة لا تتضمنها.

وأضافت أن الأمر يصبح أكثر أهمية عند تناول القضايا المحلية، مثل المؤشرات الخاصة بمحافظة أو منطقة بعينها، إذ قد تتوافر بيانات عامة على المواقع الرسمية، بينما تغيب البيانات التفصيلية عن بعض المؤشرات المحلية، وبالتالي لا يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم معلومات غير متاحة في مصادره باعتبارها حقائق مؤكدة.

«الهلوسة».. معلومات تبدو صحيحة 

وحذرت أسماء رزق من ظاهرة «الهلوسة المعلوماتية» التي قد تقع فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، موضحة أن الأداة قد تنتج أرقاما أو أسماء أو تقارير غير صحيحة، لكنها تعرضها في صياغة تبدو منطقية ودقيقة، وهو ما يزيد من خطورتها في العمل الصحفي.

وأوضحت أن الأخطاء قد تمتد إلى أسماء المسؤولين والمناصب، بحيث تقدم الأداة اسم مسؤول سابق باعتباره المسؤول الحالي، فضلًا عن إمكانية إنتاج أرقام أو معلومات غير دقيقة.

وأكدت أن وجود اسم جهة أو تقرير معروف ضمن إجابة الذكاء الاصطناعي لا يعني أن المعلومات الواردة عنه صحيحة، موضحة أنه إذا أشارت الأداة، على سبيل المثال، إلى تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، فعلى الصحفي الرجوع إلى الموقع الرسمي للمنظمة والعثور على التقرير الأصلي، ثم مراجعة الرقم أو المعلومة في موضعها الحقيقي قبل استخدامها.

وشددت على أن الصحفي لا ينبغي أن يكتفي بالمعلومات التي تقدمها أداة الذكاء الاصطناعي، حتى إذا أرفقت له أسماء مصادر أو تقارير، وإنما عليه الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من المعلومة بنفسه.

الذكاء الاصطناعي «مساعد» وليس مصدرًا

وأكدت أسماء رزق أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الصحفي في الوصول إلى مفتاح للموضوع أو اقتراح مصادر محتملة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن المصدر الأصلي، مشيرة إلى أن مسؤولية التحقق النهائي من صحة المعلومات تقع على الصحفي.

وأوضحت أن الصحفي يستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عدد من المهام، مثل تفريغ المقابلات وتحويل التسجيلات إلى نصوص، والمساعدة في الترجمة، وتنظيم الأفكار، وإعداد مسودة أولية، بدلًا من ترك الأداة لإنتاج المادة الصحفية كاملة دون مراجعة.

وأشارت إلى أن جودة النتائج ترتبط كذلك بطريقة كتابة التعليمات أو الـ«Prompt»، داعية الصحفي إلى تحديد المطلوب بدقة، وشرح طبيعة المهمة والهدف منها والشروط التي يجب أن تتوافر في المحتوى.

المصدر الأصلي هو الفيصل

ودعت أسماء رزق إلى تعزيز الشفافية عند استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، خاصة عند الاستعانة به بصورة مباشرة في إعداد جزء من المادة، مع ضرورة مراجعة المعلومات والتأكد من مصادرها الأصلية.

وأكدت أن قيمة الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي لا تكمن في أن يحل محل الصحفي، وإنما في أن يمنحه أدوات تساعده على إنجاز بعض المهام، بينما تظل المسؤولية الأساسية لدى الإنسان في التفكير والتحقق والتدقيق والصياغة واتخاذ القرار التحريري.

وشددت على أن الصحفي يستطيع أن يستفيد من سرعة الآلة وقدرتها على معالجة المعلومات، لكنه لا يستطيع أن يتنازل لها عن أهم ما يملكه: القدرة على السؤال، والشك، والتحقق، ثم اتخاذ قرار النشر.

زر الذهاب إلى الأعلى