Site icon بوابة العمال

طاهر إدريس يكتب :”القهوة البلدي ” مجلس شعب لايحل والعضوية مفتوحة

في قلب كل حارة مصرية وعلى ناصية كل شارع تجد مؤسسة لا تدرس في كتب العلوم السياسية ولا يعترف بها إلا موظفو الأحياء والسبب معلوم .. ما علينا.. إنها القهوة البلدي، التي تعتبر مجلس الشعب الذي لا يحل لا بقرار ولا تزور انتخاباته ولا نتركها إلا في حالتين الأولي عندما تقدم لك معسلا مغشوشا والثانية عندما ترفع الأسعار وعضويته مفتوحة للجميع بشرط واحد أن تدفع ثمن مشروبك.

على كراسيها البلاستيك المتهالكة يجلس الموظف والعامل والمعلم والصنايعي والمتقاعد والشاب العاطل. لا حواجز طبقية هنا. الكل سواسية أمام الشاي والشيشة والقهوة المغشوشة فيها تتكسر الرتب والألقاب على عتبة القهوة ويبقى الحساب يا باشا .
في البرلمان الرسمي الكلام محسوب والتصويت مرتب. أما في برلمان القهوة، فالديمقراطية حقيقية وشرسة
النقاش مفتوح لمن هب ودب والكل فاهم اقتصاد وسياسة ورياضة بما فيها السياسة العالمية وحتي الأديان لا تسلم من الفتاوى فيها وعلي الهامش جزء ليس بالقليل من الغيبة والنميمة لا موضوع ممنوع ولا رأي محظور. المعارضة فيها شرسة يكفي أن تقول رأياً مخالفاً لتجد عشرة أصوات ترد عليك في نفس اللحظة بالحجة والقفشة والنكتة.
القرارات تتخذ فوراً وحتي أكون منصفا بعض الشيء تجد فيها الجانب الايجابي البسيط.. مشكلة جار تحل و شغلانة تُتدبر لشاب عاطل، كل ده بيحصل على طبلية القهوة قبل ما أي مؤسسة رسمية تتحرك. وأحيانا تتحول لوزارة شؤون اجتماعية شعبية
القهوة البلدي ليست مكاناً للهو فقط، هي شبكة أمان اجتماعي متكاملة فهي صندوق التكافل غير المعلن زمان كنت تجد زبون القهوة الدائم الذي يمر بضائقة يجد من يسدد عنه دون أن يعلم، “حسابه مدفوع”.
جملة تُقال همساً للقهوجي صاحب مكتب التوظيف الشعبي: “عايزين صنايعي؟”، “في شغلانة عند الحاج فلان”، آلاف فرص العمل تُتداول يومياً على موائد القهوة دون إعلان واحد. • محكمة الصلح العرفية خناقة بين جارين؟ مشكلة عائلية؟ كبار القهوة يتدخلون، وفنجان قهوة واحد مغشوش كفيل بإنهاء خصومات دامت شهوراً.

الرجل المهموم يدخل القهوة مثقلاً، يطلب شايه، يرمي همه في وسط الكلام والضحك والقفشات، فيخرج أخف. ليس لأن مشكلته اتحلت، بل لأنها اتقسمت. الهم لما يتوزع على عشرة، بيخف.

القهوجي نفسه طبيب نفسي بالفطرة. يعرف زبائنه بالاسم، يعرف مشروب كل واحد، ويعرف من نظرة واحدة مين زعلان ومين فرحان. سؤاله البسيط “مالك يا أستاذ؟” يفتح أبواباً لا تفتحها أعقد الجلسات رغم أنها في أوقات كثيرة تكون أسئلة فضولية ليس إلا أهو بيحشر نفسه وخلاص.. لكن عادي!.
القهوة عندما يكون روادها علي قدر من الحكمة تتحول لمدرسة الحكمة الشعبية
فعلى موائدها تصبح أعظم جامعة شعبية في مصر الشاب يتعلم من الكبير فن التعامل مع الحياة. الحكايات تروى، والتاريخ الشفهي للمنطقة يُحفظ ويُتناقل.
الأمثال الشعبية تُولد هنا، والقفشات التي ستملأ فيسبوك غداً تُختبر هنا الليلة.
القهوة هي المكان الذي يتعلم فيه المصري أن الحياة تُعاش بالطول والعرض، لا بالحسابات الدقيقة.
وهنا قد يتساءل البعض: هل ستصمد القهوة البلدي أمام الكافيهات الحديثة والسوشيال ميديا؟
الإجابة في الأرقام البشرية الكافيه الشيك يقدم لك واي فاي سريع وقهوة غالية، لكنه لا يقدم لك الانتماء. السوشيال ميديا توصلك بالعالم، لكنها لا تضع يدها على كتفك وتقول لك “متزعلش، هتفرج”.

القهوة البلدي تقدم ما لا يقدمه أي تطبيق الدفء الإنساني الحقيقي. الواجبات العائلية من مشاركة في أفراح أو مواساة في أحزان تجدها في القهوة البلدي.
القهوة البلدي ليست مجرد مكان لشرب الشاي. ولا الشيشة فهي البرلمان، والمحكمة، ومكتب العمل، والعيادة النفسية، والمدرسة كلها في مساحة لا تتجاوز خمسين متراً مربعاً.

هي الدليل الحي على أن المصريين اخترعوا مؤسساتهم الخاصة حين عجزت المؤسسات الرسمية عن احتوائهم. مؤسسات بلا ميزانيات، بلا موظفين، بلا قرارات وزارية لكنها تعمل بكفاءة مذهلة منذ أجيال.

ففي المرة القادمة التي تمر فيها بقهوة بلدي وتسمع ضجيج النقاش وضحكات الزبائن، تذكر: أنت لا تمر بمكان ترفيهي، أنت تمر بقلب مصر النابض.

طاهر إدريس يكتب :”القهوة البلدي ” مجلس شعب لايحل والعضوية مفتوحة

Exit mobile version