أهم الأخبارعرب و عالم

مصر في داكار.. رؤية وطنية أمام المنتدى الأفريقى للأعمال وحقوق الإنسان لاقتصاد يضع الإنسان في قلب التنمية

 

كتبت _ نجوى ابراهيم 

لم تعد العلاقة بين حقوق الإنسان والاقتصاد تُطرح علي اعتبار انهم ملفين منفصلين، فمع اتساع دور الشركات وتداخل سلاسل الإنتاج والاستثمار عبر الحدود، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: كيف يمكن تحقيق النمو وجذب الاستثمار، دون أن تتحول التنمية الاقتصادية إلى مسار منفصل عن حقوق الإنسان والعمل اللائق والعدالة الاجتماعية وحماية البيئة؟

من هذه الزاوية تكتسب مشاركة مصر في المنتدى الأفريقي الخامس للأعمال التجارية وحقوق الإنسان، المنعقد في العاصمة السنغالية داكار خلال الفترة من 29 سبتمبر إلى الأول من أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز مجرد المشاركة في فعالية دولية، إذ تأتي المشاركة المصرية في لحظة تتجه فيها القارة الأفريقية إلى إعادة صياغة مفهوم المسؤولية الاقتصادية للشركات، وربط الاستثمار بالتنمية المستدامة وحماية الحقوق.

ويجمع المنتدى الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمعات المتأثرة بالمشروعات، تحت عنوان «إعمال الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة من خلال السلوك المسؤول للأعمال».

ويمثل حضور الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان وأمين اللجنة الاقتصادية، امتدادًا لمسار مصري بدأ من الداخل قبل أن ينتقل إلى دوائر الحوار الإقليمي ثم إلى المنصة الأفريقية، فالقصة لم تبدأ في داكار، وإنما بدأت في القاهرة خلال سبتمبر 2025، عندما أطلق المجلس أولى فعاليات الدعوة إلى تبني خطة عمل وطنية للأعمال التجارية وحقوق الإنسان، من خلال لقاء تشاوري شارك فيه ممثلون عن المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والخبراء والشركاء الدوليين، بهدف بناء إطار وطني يقوم على المشاركة والشفافية والمساءلة.

وفي هذا المسار، لم يتعامل المجلس مع حقوق الإنسان باعتبارها قيودًا على النشاط الاقتصادي، وإنما باعتبارها أحد مكونات البيئة الاقتصادية المستدامة، وهو ما ظهر بوضوح في ورشة «تعزيز السلوك المسؤول للشركات» التي عقدها المجلس في أكتوبر 2025، بمشاركة ممثلين عن الحكومة والقطاع الخاص والنقابات العمالية والمجتمع المدني والهيئات الاقتصادية والتنظيمية، إلى جانب اتحاد الصناعات واتحاد العمال ونقطة الاتصال الوطنية للشركات متعددة الجنسيات بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وكانت الرسالة التي حملها هذا المسار واضحة، الاستثمار المسؤول لا يتوقف عند الالتزام بالقانون، وإنما يمتد إلى طريقة إدارة الشركات لعلاقات العمل، وسلاسل التوريد والإنتاج، وتأثير النشاط الاقتصادي على الفئات الأكثر هشاشة، وقدرته على تحقيق قيمة اجتماعية وبيئية إلى جانب العائد الاقتصادي.

ومن القاهرة انتقلت الفكرة إلى المستوى العربي، ففي يونيو 2026، شارك محمد ممدوح في منتدى الحوار الإقليمي الثالث حول الأعمال التجارية وحقوق الإنسان في عمّان، حيث استعرض جهود المجلس نحو إطلاق أول خطة عمل وطنية مصرية في هذا المجال، مؤكدًا أهمية النهج التشاركي الذي يجمع الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات أصحاب الأعمال والنقابات العمالية والمجتمع المدني والشركاء الدوليين.

لكن المشاركة المصرية في عمّان لم تقتصر على عرض التجربة الوطنية، إذ طرح المجلس مبادرتين تتجاوزان الإطار المصري إلى المجال العربي، الأولى تتعلق بإعداد «المبادئ العربية الإرشادية لدمج حقوق الإنسان في دورة حياة المشروعات الوطنية الكبرى»، بما يعني إدخال الاعتبارات الحقوقية والاجتماعية والبيئية منذ مرحلة التخطيط للمشروع وحتى التنفيذ والتقييم، والثانية تتعلق بإنشاء «المنتدى العربي للاستثمار المسؤول وحقوق الإنسان» ليكون منصة للحوار وتبادل الخبرات بين المؤسسات الوطنية والحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والشركاء الدوليين.

وهنا تبدو محطة داكار امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، ولكن على نطاق أوسع، فالقضية التي تناقشها مصر عربيًا أصبحت الآن جزءًا من نقاش أفريقي يتعامل مع التحديات نفسها ولكن في سياق قاري شديد الخصوصية، حيث تتقاطع الاستثمارات الكبرى مع ملفات التعدين والطاقة والمياه والأراضي والعمل والتغير المناخي وسلاسل التوريد.

فالمنتدى الأفريقي لا يطرح حقوق الإنسان بمعناها التقليدي فقط، وإنما يناقش كيفية تطبيقها داخل النشاط الاقتصادي نفسه.

وتشمل أجندته العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان والبيئة، والحق في المياه والصرف الصحي والأراضي، والانتقال العادل والعدالة المناخية، والوصول إلى سبل الانتصاف بالنسبة للمجتمعات المتضررة من الأنشطة الاقتصادية.

كما تأتي الدورة الحالية في ظل اعتراف أكثر من 45 دولة أفريقية بالحق في بيئة صحية في أطرها القانونية، مع انتقال النقاش من الاعتراف بالمبدأ إلى كيفية تطبيقه ومساءلة الشركات عن آثار أنشطتها.

وهذا يحمل دلالة مهمة في قراءة الحضور المصرى، فالفكر الحقوقي الذي تطرحه مصر في هذا الملف لا يقف عند حدود حماية الفرد من الانتهاك، وإنما يتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها معيارًا لتقييم السياسات الاقتصادية نفسها، ولذلك تظهر في الرؤية المصرية مفاهيم مثل العمل اللائق، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، والمسؤولية المؤسسية، والحوكمة، والحوار بين أطراف العملية الاقتصادية.

ويعكس هذا التوجه ما أكده محمد ممدوح خلال المنتدى الإقليمي في عمّان، من أن دمج مبادئ حقوق الإنسان في السياسات الاقتصادية والاستثمارية أصبح أحد المعايير الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة، وأن المشروعات الكبرى لا ينبغي أن تقاس فقط بمعدلات النمو والعائد الاقتصادي، وإنما أيضًا بقدرتها على تحسين جودة حياة المواطنين وتعزيز العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية، انطلاقًا من أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحضور المصري في داكار باعتباره محاولة لطرح تجربة تتجاوز الفصل التقليدي بين «حقوق الإنسان» و«الاقتصاد».

فالشركة، وفق هذا المنظور، ليست مجرد وحدة إنتاج، والاستثمار ليس مجرد تدفق لرأس المال، والمشروع القومي ليس مجرد رقم في الناتج المحلي، وإنما جميعها كيانات وعمليات لها آثار مباشرة على الإنسان وحقوقه وبيئته ومجتمعه.

وتزداد أهمية هذه الرؤية في أفريقيا تحديدًا، حيث تتوسع مشروعات الطاقة والبنية التحتية والتعدين والتصنيع، وتتزايد الحاجة إلى استثمارات قادرة على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية، بالتوازي مع ضمان حقوق المجتمعات المحلية والعمال والنساء والشباب وحماية الموارد الطبيعية.

ولهذا يركز المنتدى الأفريقي في دورته الحالية على السلوك المسؤول للأعمال، وعلى الانتقال من المبادئ إلى الممارسة، في وقت تتعامل فيه القارة مع تحديات المياه والمناخ والموارد الطبيعية والتحول الأخضر والاقتصاد العابر للحدود، وتبرز خصوصية الرؤية المصرية في الدعوة إلى إدماج حقوق الإنسان داخل «دورة حياة» المشروعات، وليس التعامل معها بعد ظهور آثار أو أزمات.

فالفكرة التي طرحتها مصر عربيًا تضع الاعتبارات الحقوقية والاجتماعية والبيئية في مرحلة التخطيط نفسها، بما يفتح الباب أمام نموذج أكثر اتساقًا بين الاستثمار والتنمية والحماية الحقوقية.

كما أن الحضور المصري يحمل بعدًا مؤسسيًا واضحًا؛ فالحوار الذي بدأه المجلس لم يقتصر على مؤسسات حقوق الإنسان، بل امتد إلى الوزارات والهيئات الاقتصادية والرقابية والبورصة وهيئة الاستثمار واتحاد الصناعات واتحاد العمال والنقابات والمجتمع المدني.

وهذا الاتساع يعكس تصورًا بأن حماية الحقوق في بيئة الأعمال لا يمكن أن تتحقق من خلال مؤسسة واحدة، وإنما تحتاج إلى شبكة من المسؤوليات المشتركة بين الدولة وأصحاب الأعمال والعمال والمجتمع المدني.

و تبدو مشاركة مصر في داكار حلقة في بناء خطاب حقوقي اقتصادي له امتداد وطني وإقليمي وأفريقى، يبدأ من تطوير إطار وطنى للأعمال التجارية وحقوق الإنسان، ثم يطرح مبادئ عربية للاستثمار المسؤول والمشروعات الكبرى، وصولًا إلى الانخراط في الحوار الأفريقي حول مسؤولية الشركات والبيئة والعمل والعدالة المناخية.

وبذلك لا تصبح المشاركة المصرية في المنتدى الأفريقي مجرد حضور في نقاش دولي حول الشركات وحقوق الإنسان، وإنما فرصة لعرض تصور مصري يرى أن الاقتصاد المسؤول هو الذي يستطيع الجمع بين الاستثمار والنمو من ناحية، وحماية الحقوق والعدالة الاجتماعية والاستدامة من ناحية أخرى، وهي معادلة تكتسب أهمية خاصة في قارة تبحث عن تسريع التنمية وجذب الاستثمار، دون أن تفقد الإنسان موقعه في مركز هذه العملية.

زر الذهاب إلى الأعلى