الساعة الثامنة صباحا أمام باب المدرسة الحكومية، تقف أم رضوى ممسكة بملف ابنها كأنه وثيقة سفر أخيرة، فيما يميل عليها “عم شحاتة” الفراش بوجه يمارس صلاحيات موظف الجمارك، هامسا بنبرة من يملك مفاتيح الملكوت “الأستاذ مشغول يا ست الكل.. بس الخير مقسوم، وحاجة لله وحاجة لي! الوزارة بتقول مفيش مكان.. بس لو فيه مكان يبقى فيه مكان”.
خلف مكتب يرجع لعهد الفتوحات الإدارية، يجلس “كمبورة بيه” مدير المدرسة، يحمل في يده اليمين ختم النسر وفي اليسرى آلة حاسبة لا يتوقف صريرها.
يتكلم عن نفسه كأنه مؤسسة سيادية: “الأعداد مهولة يا مدام، وأنا راجل صاحب ضمير!”.
تسأله المسكينة عن الحل، فيجيب وهو يقلب أوراقا لا يقرؤها “الحل عندك.. بس ما تقوليش إني قلت!”.
وبعد جولتين من الشد والجذب، تتحرك الأرقام بمرونة سوق الخضار، لتهبط “تسعيرة النقل” من تسعة آلاف إلى ستة، بشرط ألا تخبر المدرس أو الفراش، لتكتشف الأمهات لاحقا أن “شبكات السمسرة” المقيمة بالمدرسة تتراوح تسعيرتها الثابتة بين 6 آلاف و15 ألف جنيه للرأس، تسلم يدا بيد بلا إيصال ولا محضر.
ومن الممر المظلم، يخرج “الدكتور نبيل” خبير “تعبئة الموارد” الذي يحرم استخدام كلمة “دفع” “يا سيدتي، ما يجري ليس جباية، إنها مشاركة مجتمعية!”.
تبتسم أم رضوى ببراءة تسأله عن الفرق، فيرد بارتقاء من تجاوز الأسئلة “الدفع يحتاج إيصالا.. أما المشاركة فتحتاج إيمانا!”.
بحسب ما رصدته الشهادات الموثقة عبر المحافظات، من لا يملك المال يطلب منه ما يعادله مهنيا وعينيا ديسك مطابق تماما لديسك المدرسة، أو رزم ورق ومراوح ولمبات ودهانات.. ومن يعمل في الملابس يسأل عن الملابس، ومن يعمل في الأطعمة يطالب بالمأكولات، فالعطاء هنا يراعي التخصص المهني بدقة متناهية!
وللجرعة الأخيرة من الابتزاز قواعدها النفسية التي يتقنها “كمبورة بيه”؛ يحرم ولي الأمر من القبول في البداية حتى لو قدم شكوى للإدارة وتلقى قبولا مبدئيا، وقبل انطلاق الدراسة بيومين، يقال للأم إن مكان ابنتها ذهب لابن شخص مهم دفع، وإن التسجيل يحتاج “أكتر”! هنا يلعب الوقت لصالح الكرسي، وكلما اقترب أول يوم دراسي، صار أي رقم مطلوبا أمرا معقولا ومقبولا.
أجاز القانون رقم 139 لسنة 1981 الاستفادة من الجهود الذاتية، وقرارات 2014 و2019 حظرت ربط التبرعات بالنقل والقبول ووصفته بـ “غير القانوني”.. المنع محشور في السطور، والدفع مقبوض في الصدور، بلا ضابط ولا مدير واحد عوقب!
أما في الطرقات الخدمية، فيتحرك “سبع الليل” المسئول التنفيذي الكبير، يرتدي نظارته السوداء ويرافقه موكب المصورين ليقتحم المؤسسات كأنه يحرر حصنا، يصرخ في وجه المديرين والموظفين البسيطين ويتوعدهم بالإقالة أمام الكاميرات ليرضي الجمهور. يمارس “سبع الليل” هواية التضحية بالحلقة الأضعف؛ فبدلا من معالجة أصل الداء وغياب الميزانيات، يحمل صغار الموظفين المعزولين عن الصلاحيات كافة الأوزار، ليخرج بطلا على منصات التواصل، بينما تبقى الأزمة مكانها تتمدد وتفح.
وفوق في البرج العاجي، يقف “فندام أفندي” الخبير الاستراتيجي بحرارة الإنجازات “أنشأنا 150 ألف فصل في 10 سنوات و15 ألف فصل كل عام”. لا أحد يعترض على الحساب، لكن الفصل الذي لا مقعد فيه ولا مروحة يبقى مجرد هيكل بالعدد؛ فالأرقام الصغيرة التي لا تحب الميكروفون تجلس في الصف الأخير: في موازنة 2014/2013 كان التعليم قبل الجامعي يقتطع 8% من المصروفات (55 مليارا من 689.3 مليار)، أما في 2026/2025 فهبطت حصته إلى 3.7% فقط (169.1 مليار من 4.57 تريليون).
المخصص المالي تضاعف ثلاث مرات، بينما المصروفات العامة تضاعفت ست مرات ونصف
وفجوة الأرقام تتسع بوضوح؛ ففي العام الأخير وحده زاد مخصص التعليم بنسبة 3.2% فقط، بينما قفزت المصروفات العامة بنسبة 18%.
ولو ثبتت حصة التعليم عند نسبة العام السابق (4.2%) لبلغ المخصص 192 مليارا بزيادة 23 مليارا، ولو بقيت عند نسبة الـ 8% لتجاوزت 365 مليار جنيه! وحين ضاقت الميزانية هكذا، شرعنت وثائق “المدرسة المنتجة” الأنيقة فكرة أن تنوع المدرسة مصادر تمويلها وتقبل “الهبات المشروعة”، فتحولت أم رضوى بموجب هذا التنميق إلى “مورد مجتمعي” يعتمد عليه لسد عجز الموازنة.
المعادلة أصبحت جلية ومصاغة ببراعة غريبة: نصوص دستورية تتغنى بمجانية التعليم، وموازنة عامة ينكمش نصيب التعليم منها سنة تلو أخرى، ومدرسة تحولت إلى سوق تفاوض فرضت تسعيرة إلزامية على الأهالي لشراء الورق والمراوح والدهانات، ومسئول يتفقد المنظومة ليكسر الموظف الصغير أمام الكاميرات
الجميع يمارس مسرحيته باقتدار، والضحية الوحيدة هو ذلك المواطن الذي يفتش في جيبه المثقوب ليدفع ثمن مقعد ابنه.
وقف “عم عبده” عند البوابة ينادي أم رضوى وهي تغادر “لو ناقصك حاجة خدي بالك.. الديسك لازم يبقى نفس موديل المدرسة”.. فنظرت إليه وقد اتضحت لها الحقيقة كاملة الفصل يبنى بالأسمنت، لكن الدخول إليه يبنى بالتفاوض.. وقد بنيت 150 ألف كتل خرسانية، وبقي فصل واحد لا يتسع لمن لا يملك 9 آلاف جنيه هو الفصل الذي لم يبن بعد
يوسف عبداللطيف يكتب: دفتر توفير في طابور الصباح

