Site icon بوابة العمال

السعيد يدعو لتأسيس بنك لغوي صيني عربي حتى لا يحتاج العرب والصينيين لغة ثالثة في التعارف

كتب: محمد حربي
دعا الدكتور أحمد السعيد- كاتب ومترجم وناشر مصري، ومؤسس والرئيس التنفيذي لـمجموعة بيت الحكمة للثقافة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، إلى أهمية مناقشة فكرة البنك اللغوي الصيني العربي مأخذ الجد؛ بحيث تجتمع عليها الجامعات ومراكز البحث العربية والصينية؛ حتى لا يأتي يوم يعرف فيه كل من العرب والصينيين بعضهما من جديد، عبر لغة ثالثة. جاء ذلك، خلال منتدى”الحوار العالمي حول الدراسات الصينية: دورة الدول العربية”، الذي استضافته القاهرة، بمشاركة نحو 140 مسؤولا وخبيرا وباحثا وأكاديميا وممثلا عن قطاعات مختلفة من الصين والدول العربية؛ وبتنظيم من المدرسة المركزية للحزب الشيوعي الصيني (الأكاديمية الوطنية للحوكمة) وجامعة الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة شيامن.

وقال الدكتور السعيد: إنه جاء إلى هذا الموضوع من باب التواصل الإنساني والثقافي حيث الكتاب والترجمة، وهو الباب الذي ظل يقضي فيه معظم حياته العملية، ولعل في ذلك ما يسوغ أن يقف عند مسألة قلما تنال حظها من النقاش حين يدور الحديث عن الذكاء الاصطناعي وعدالة توزيع ثماره، وأنه يعني بها مسألة اللغة. فهذه النماذج التي نسميها النماذج اللغوية الكبيرة لا تعرف من العالم إلا ما قرأه، وبالقدر الذي قرأه، وأكثر ما قرأه هو كتب ومراجع بالإنجليزية، ثم بلغات قليلة أخرى تملك أممها من المحتوى الرقمي ما يكفي لتغذيتها. أما العربية، وهي لسان ما يزيد على أربعمئة مليون إنسان، فنصيبها من هذا المحتوى أقل بكثير مما يليق بعدد أهلها وبعمق تراثها المكتوب، وحال كثير من لغات أفريقيا وآسيا أسوأ من ذلك. ومعنى هذا أن الإنسان العربي حين يسأل هذه النماذج عن شيء من شؤونه يتلقى في أحيان كثيرة جوابا تشكل من نصوص كتبها غيره عنه، وقد يكون الجواب صحيحا في ظاهره، غير أن زاوية النظر التي صدر عنها ليست زاويته.
موضحاً أنه يعرف هذه الحال من تجربة سابقة. فحين بدأ الترجمة من الصينية إلى العربية كانت معرفة القارئ العربي بالصين تأتيه في معظمها عبر لغات أوروبية، ومعها ما تحمله تلك اللغات من أحكام وتصورات، وكانت معرفة القارئ الصيني بالعرب تمر بالطريق ذاته؛ مشيراً إلى أن حاول في كتابه ” الصين في المخيلة العربية”، أن يتتبع أثر هذه الوساطة في الصورة التي كونها العرب عن الصين على مدى عقود. وكان عملهم في مجموعة بيت الحكمة للثقافة منذ تأسيسها، وقد تجاوز ما ترجموه ألف كتاب، محاولة متصلة لأن يقرأ كل من الشعبين الآخر بلا واسطة. ولذلك فإنه يقلقه أن تعود هذه الواسطة من جديد في صورة تقنية لا يكاد يلحظها أحد، فيسأل العربي عن الصين ويسأل الصيني عن العرب، ويأتي الجوابان كلاهما من نصوص لم يكتبها عربي ولا صيني.
وأضاف بأن ما يستوقفه في عنوان المنتدى مفهوم «مينشنغ» (民生)، أي معيشة الناس، وله في الفكر الصيني تاريخ طويل يرجع إلى منشيوس الذي رأى أن من كان له رزق ثابت كان له قلب ثابت (有恒产者有恒心). وإذا كان الرزق في زمن منشيوس أرضا تزرع، فإن جانبا منه في زمننا معرفة تطلب، ولا تطلب المعرفة إلا باللغة التي يحسنها طالبها. ومن هنا لا أظن أن تحسين معيشة الناس بالذكاء الاصطناعي يتحقق كاملا ما لم يجد الإنسان البسيط في هذه الأداة ما يفهم لغته ويجيبه بها. فالمزارع في قرى الصعيد إذا سأل بلهجته التي نشأ عليها عن آفة أصابت زرعه ينبغي أن يجد جوابا يفهمه وينتفع به، وإلا بقيت هذه التقنية، على اتساع ما يقال عن نفعها، حكرا على من يحسن اللغات الكبرى.
وفي القرار الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتوافق سنة 2024، بمبادرة من الصين، بشأن التعاون الدولي في بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، ما يضع حاجات الدول النامية في موضعها من هذا النقاش، وأود أن أضيف إليه من واقع عملي في النشر أمرين ستشتد الحاجة إليهما في السنوات المقبلة.
أولهما أن ما تملكه شعوب الجنوب من كتب وترجمات ودوريات وأرشيفات هو المادة التي تتغذى عليها هذه النماذج، وأن الإطار العالمي الذي نتحدث عنه يحتاج إلى أن يعنى بهذه المادة عنايته بمراكز البيانات وشبكات الاتصال. فيضع قواعد عادلة تتيح للناشرين والمؤلفين والمترجمين أن يقدموا أعمالهم لتدريب النماذج وهم مطمئنون إلى حفظ حقوقهم، إذ الواقع اليوم أن كثيرا من هذا المحتوى يؤخذ دون إذن أصحابه، وأن كثيرا غيره يحجبه أصحابه خشية ذلك فيغيب عن النماذج غيابا تاما.
والأمر الآخر أن لغات الجنوب في حاجة إلى أن تتصل فيما بينها اتصالا مباشرا، وذلك بإعداد مدونات نصية متوازية بين الصينية والعربية، وبين العربية ولغات أفريقيا، يتولاها مترجمون ولغويون متخصصون ويبنونها من ترجمات مباشرة موثوقة، حتى تنشأ نماذج تنقل بين هذه اللغات دون أن تعبر بالإنجليزية في كل مرة. وفي المكتبة العربية المترجمة عن الصينية اليوم رصيد يصلح أن يكون بداية لعمل كهذا، ونحن في بيت الحكمة على استعداد للإسهام فيه إذا قامت له شراكة علمية جادة مع الجامعات ومراكز البحث في الصين والعالم العربي.
لافتاً إلى أن الترجمة علمته، أن نقل الكلمات أيسر ما في العمل، وأن المشقة الحقيقية في إدراك ما وراءها من عادة وذاكرة وسياق. والترجمة الآلية قطعت في السنوات الأخيرة شوطا بعيدا في نقل الجملة، لكنها ما تزال تتعثر حيث يكون المعنى متصلا بثقافة أهل اللغة وتاريخهم. ومن هنا فهو يرى أن أي إطار عالمي للتنمية الشاملة لهذه التقنية ينبغي أن يلتفت إلى المترجمين واللغويين والمعلمين والباحثين في الإنسانيات، ويجعل لهم مكانا إلى جانب المهندسين، فهم الأقدر على أن يعلموا هذه النماذج كيف تفهم الناس الذين يفترض أن تخدمهم.
مشدداً، على أن مصر والصين أولى من غيرهما بأن تبدآ هذا العمل الذي يجمع بين اللغة والتقنية، فلكل منهما ذاكرة مكتوبة من أطول ما عرفته البشرية، ومضت هذا العام سبعون سنة على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وكانت مصر أول بلد عربي وأفريقي يعترف بجمهورية الصين الشعبية، وفي جامعاتها أقسام لتعليم اللغة الصينية منذ أواخر الخمسينيات تخرج فيها جيل بعد جيل من المترجمين والباحثين. ودعوت في كتابي «ما بعد الهيمنة: كيف يعيد التفاهم تشكيل العالم» إلى التفكير في إنشاء بنك لغوي صيني عربي تتعاون فيه مصر والصين، يجمع النصوص المترجمة بين اللغتين ويحررها ويتيحها للباحثين ولمطوري النماذج على السواء، ويكون مرجعا لكل من أراد أن يبني صلة آلية أمينة بين العربية والصينية. وأنه لا يرى في هذا المشروع ترفا ثقافيا، فنحن في الجنوب نملك من النصوص والخبرات أكثر مما نظن، وكثيرا ما يشغلنا ما ينقصنا عن تقدير ما في أيدينا، والمستقبل في تقديري يبدأ حين نحسن رؤية ما نملكه ونجيد استعماله، فيصير عندئذ جسرا مشتركا نعبر عليه إلى عالم يترابط فيه مصير الشعوب.

Exit mobile version