م. خالد محمود خالد يكتب: جوهر العبقرية في فتح ثغرات خط بارليف

من أكثر الأفكار الهندسية إثارة في حرب أكتوبر 1973 فكرة فتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف باستخدام المياه.
قد تبدو الفكرة بسيطة إذا نظرنا إليها بعد تنفيذها، لكن العبقرية الحقيقية كانت في رؤية ما لم يكن واضحًا للآخرين: الساتر الذي يبدو عقبة هائلة كان قائمًا أمام مصدر ضخم من المياه؛ قناة السويس نفسها.
كان الساتر الترابي مرتفعًا وضخمًا، وإزالته بالوسائل التقليدية كانت ستحتاج إلى كميات كبيرة من المتفجرات والمعدات والوقت. لكن المهندسين المصريين اتجهوا إلى حل مختلف تمامًا: لماذا نحاول تدمير الرمال بالقوة، بينما يمكن للمياه أن تقوم بتجريفها؟
استخدمت مضخات مياه قوية وخراطيم لتوجيه المياه إلى الساتر، فتحولت المياه تحت الضغط إلى أداة لإزالة الرمال تدريجيًا وإنشاء ممرات تسمح بعبور القوات والمعدات.
والأكثر إثارة في الفكرة أن مصدر «المادة المستخدمة في فتح الثغرة» كان موجودًا بجوار الساتر مباشرة. لم تكن هناك حاجة إلى نقل كميات هائلة من المواد إلى أرض المعركة؛ فالمياه كانت في قناة السويس، والمعدات المستخدمة كانت في الأساس معدات ضخ وهندسة يمكن تكييفها لهذا الغرض.
وهنا تظهر قيمة التفكير الهندسي الحقيقي.
فالابتكار ليس دائمًا في اختراع جهاز جديد، وإنما أحيانًا في أن تنظر إلى الأشياء الموجودة حولك بطريقة مختلفة.
المياه التي تبدو للوهلة الأولى مجرد عنصر من عناصر البيئة أصبحت وسيلة لإزالة الساتر.
والرمال التي كانت تمثل حصنًا أصبحت قابلة للجرف، والمضخات التي لم تكن سلاحًا تقليديًا تحولت إلى أداة حاسمة في عملية العبور.
ومن هذه الزاوية، فإن قصة فتح ثغرات خط بارليف ليست مجرد قصة عسكرية، بل هي أيضًا درس في الهندسة وحل المشكلات.
«إذا كانت العقبة ضخمة، فلا يعني ذلك أن الحل يجب أن يكون ضخمًا؛ أحيانًا يكفي أن تكتشف الخاصية التي تجعل العقبة نفسها قابلة للتغلب عليها.»
وهذا هو جوهر العبقرية في الفكرة: لم تتم مواجهة الساتر الترابي بالطريقة التي كان يتوقعها، وإنما تم استخدام البيئة المحيطة به وتحويلها إلى جزء من الحل.
لقد كان الماء بجوار الهدف بالفعل؛ وكان التحدي الحقيقي هو أن يفكر أحدهم في استخدامه بطريقة لم تكن مألوفة.
وهنا ربما يمكن تلخيص الفكرة كلها في جملة واحدة:
لم تكن العبقرية في قوة المضخة وحدها، وإنما في اكتشاف أن «الذخيرة» كانت موجودة بالفعل بجوار الهدف.
الدرس الذي يتجاوز الحربوهنا تصبح القصة أقرب إلينا مما نتصور.
في حياتنا، كثيرًا ما نقف أمام «ساتر» خاص بنا: مشكلة في العمل، مشروع متعثر، أزمة مالية، خلاف، أو هدف يبدو أكبر من إمكاناتنا.
وأول رد فعل غالبًا هو أن نبحث عن قوة أكبر: مال أكثر، وقت أكثر، مجهود أكثر، أو أدوات أكثر.لكن ربما يكون السؤال الأفضل مختلفًا:
هل أنا أحاول حل المشكلة بالطريقة الصحيحة أصلًا؟
أحيانًا لا تكون المشكلة في قلة الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها.
قد يكون الحل قريبًا، لكننا نبحث عنه بعيدًا، وقد نمتلك الأدوات التي نحتاجها بالفعل، لكننا نستخدمها بالطريقة المعتادة.
وربما تكون أكبر نقلة في حياتنا ليست أن نحصل على شيء جديد، بل أن نكتشف قيمة شيء نملكه منذ البداية.
م. خالد محمود خالد يكتب: جوهر العبقرية في فتح ثغرات خط بارليف








