هناك نوع من البشر تضطرب عقولهم بانتظام مع هبوب أول نسمة خريفية من أكتوبر؛ يصابون برعب موسمي يفقدهم بوصلة الجغرافيا، فيظنون أن التراب الذي جبل بدمائنا يمكن المساومة عليه بفاتورة غاز أو تصريح تليفزيوني أرعن لوزير يبحث عن هيبة مفقودة وسط ركام انكسارهم، هؤلاء الهواة يحتاجون دائما لمن يمسح عن عيونهم غبار الوهم ليروا الحقيقة العارية.
على مقهى في “السبتية”، كان “عم شلبي الدقش” يمسح نظارته بياقة جلبابه، ينظر إلى شاشة التلفزيون التي تبث أغاني أكتوبر، ثم يلتفت للأستاذ “قنديل المحللاتي” قائلا: “يا قنديل، العيل لما بيكبر ويخاف من ضلمة الأوضة، بيقعد يغني بصوت عالي عشان يقنع نفسه إنه شجاع.. أهو ده حال جماعة الهواة اللي هناك!”.
■
في الذكرى الثالثة والخمسين لليوم الذي تزلزلت فيه الأرض تحت أقدام الوهم، يخرج علينا من وراء الحدود تصريح ل “مسؤول الفكة والخزائن المخروقة” في كيان الاحتلال الصهيوني، يهدد فيه مصر وجيشها وسينائها، قائلا ما معناه إن الاقتراب من حدودهم سيكلف مصر خسارة أرضها.
يا سيد “مسؤول الفكة”، يبدو أنك تقرأ التاريخ من كتاب طبخ، أو علموك الحساب في مدرسة لم تدرس الجغرافيا؛ سيناء ليست قطعة أرض في لعبة “مونوبولي” تراهن عليها في قمارك السياسي لتغطي بها على عجز ميزانيتك؛ سيناء بالنسبة للمصريين هي العرض والدم، والجيش المصري ليس “فرقة كشافة” تنتظر إذنا من عابر سبيل لحماية بيته.
■
هنا عدل الأستاذ “قنديل المحللاتي” وضع نظارته المكسورة، وقال بنبرة الواثق: “يا بيه، الجماعة دول بيصيبهم زهايمر موسمي بيجيلهم كل سنة في أول أكتوبر! يحبوا يغطوا على خيبتهم الحالية بشوية عنتريات فارغة.. المثل بيقول (عريان ومفلس وبيدور على غوايش لولي)! تلاقيه مش عارف يحمي موانئ الكيان، ويطلع للميكروفون يعمل فيها لورنس العرب”.
والحقيقة أن “المحللاتي” أصاب كبد الحقيقة؛ فالأصوات التي تنبح بالتهديد من تل أبيب هذه الأيام ليست دليل قوة، بل هي رقصة الديك المذبوح الذي يحاول مداراة انكساره الاستراتيجي ومظاهرات الشارع عنده، بإلقاء بالونات اختبار جوفاء صوب الجدار المصري الصلب.
■
لو فتشنا في دفاتر أكتوبر، سنعرف أن تلك الغطرسة القديمة هي نفسها التي دفعتهم ذات يوم لقول إن “خط بارليف” لا تدمره إلا قنبلة ذرية، فجاءهم الرد بخراطيم مياه ومقاتل من طين هذه الأرض زأروا “الله أكبر” فتهاوى الوهم في ست ساعات.
التصريحات المتزامنة للاحتلال التي تحاول التلميح بتهديد السيادة المصرية، لا تثير في الشارع المصري الغضب بقدر ما تثير السخرية؛ إنها تذكرنا بنكتة الرجل الذي يهدد القطار بوضع إصبعه على القضبان! مصر لم تكن يوما دعاة اعتداء، لكنها في حفظ ترابها تملك مخالب وأنيابا جربها جنرالاتكم القدامى، وسألوا عنها “عساف ياجوري” وهو يرتدي البيجامة الكستور.
■
وقف العم شلبي، وتوجه نحو الخريطة القديمة المعلقة على جدار المقهى، مسح عنها الغبار بيده الثقيلة ثم أطفأ جمرة شيشته في الماء ليصدر صوت “تشش” حاد.. وتمتم وهو يبتسم: “رمل سيناء يعرف أصحابه جيدا.. فدعهم يتحدثون للميكروفونات، ولنترك الأرض تتحدث عن نفسها”.
يوسف عبداللطيف يكتب: الجغرافيا لا تقيلها الشاشات.. ورمل سيناء لا ينسى

