Site icon بوابة العمال

د. حمداوي بكري حبيب يكتب: ​الأمن الغذائي ودور وزارتي الزراعة والتموين في حرب أكتوبر

​تعتبر حرب أكتوبر 1973 ملحمة تاريخية للمصريين على كافة المستويات والقطاعات وإلتي عملت جنبا الى جنب مع وزارة الدفاع في ذاك الوقت ولا سيما وزارة الزراعة وأن هذا المشهد لا يكتمل دون النظر إلى الأدوار غير المباشرة، التي لعبتها مؤسسات مدنية في الدولة، وفي مقدمتها وزارتي الزراعة والتموين، فعلى الرغم من أن تلك الوزارات تنتمي الى القطاع المدني، الا أنها شاركت بعمق في معركة العبور عبر عدة محاور أهمها:

المساهمة بشكل رئيسي في خطة الخداع الاستراتيجي، وفي الوقت تأمين الاحتياجات من الغذاء والسلع الأساسية للسكان والبالغ عددهم (37) مليون نسمة، وبين هذين المحورين، تبرز أهمية تشابك كل قطاعات الدولة في معركة التحرير، حيث صاغت هيئة العمليات خطة متكاملة للخداع الاستراتيجي، تمثلت في إجراءات مدروسة لإخفاء النوايا القتالية، وإبهام العدو بأن ما يجري مجرد أنشطة مدنية أو تدريبات عادية.

​وهنا برز دور وزارة الزراعة كإحدى المؤسسات المدنية التي تم توظيفها بدءا في الخداع الاستراتيجي، فقد جرى استيراد مضخات مياه عملاقة بحجة استخدامها في مشروع الري واستصلاح الأراضي، عن طريق احدى الدول الشقيقة ، في حين كان الهدف الحقيقي هو توظيفها في اقتحام خط بارليف، فهذه المعدات ـ التي ظهرت على الأوراق كجزء من خطط زراعية ـ كانت في الواقع الركيزة الأساسية لفكرة استخدام المياه لهدم الساتر الترابي الذي أقامه العدو المحتل شرق القناة، والذي يتكون من ملايين الأمتار المكعبة من الرمال وبزاوية انحدار حادة، بحيث يصعب تسلقه أو اختراقه بالمدرعات، وكل الحلول التقليدية من متفجرات وغيرها باءت بالفشل.

​ولتنفيذ خطة المهندس زكي باقي تحركت الوزارة بمرونة لتبرير وجود ناقلات ومعدات ضخمة بالقرب من القناة، كتجارب ري ومشروعات زراعية جديدة، وهو ما جعل الوجود المكثف للمضخات والقوارب يبدو طبيعياً أمام أجهزة المخابرات الإسرائيلية ، كما استخدمت أيضاً ترعة الإسماعيلية في بعض الاختبارات ، تحت غطاء الأنشطة الزراعية، كانت الترعة ذات طبيعة مناسبة لتجريب أسلوب الضخ ونقل الطلبات على قوارب خفيفة، بما يتيح محاكاة الظروف الحقيقية للعبور، وبذلك تحولت البنية التحتية المدنية ـ الترع والقنوات ـ إلى مسرح تدريبي غير معلن، بعيداً عن أعين المراقبة الإسرائيلية.

وهذا الاستخدام الذكي أظهر دور وزارة الزراعة في استغلال الموارد المتاحة، كإحدى عناصر الخداع الاستراتيجي، إذ لم يكن من المتصور أن ترتبط أنشطة زراعية وتجريبية بأكبر عملية عسكرية في تاريخ المنطقة الحديث.

​وفي هذا السياق، برزت المزرعة الصينية ـ وهي منطقة شرق القناة سميت بهذا الاسم بسبب معدات زراعية صينية كانت موجودة بها ـ كأحد المواقع التي شهدت معارك شرسة بين القوات المصرية والإسرائيلية، ورغم أن المزرعة لم تكن موقعاً للتجارب قبل الحرب، فإنها جسدت رمزا لارتباط الأرض الزراعية بالميدان العسكري، إذ تحولت حقولها إلى ساحة مواجهة حاسمة أوقفت تقدم القوات الإسرائيلية وأثبتت قدرة المقاتل المصري على الصمود.

​ومن أهم محاور استراتيجية الأمن الغذائي عدم تعرض الجبهة الداخلية لأزمات غذائية خلال الحرب، هنا جاء دور وزارة الزراعة في، تأمين السلع الغذائية، حيث عملت الوزارة على تخصيص جزء من إنتاج المزارع الحكومية والهيئات التابعة لها لصالح القوات المسلحة، فقد جرى توفير اللحوم والدواجن والخضروات والفواكه للجيش عبر شبكات إمداد منظمة بالتعاون مع هيئة الإمداد والتموين التابعة للقوات المسلحة،

كما نظمت عمليات التخزين والتبريد والنقل لضمان وصول الإمدادات بشكل آمن ومنتظم. كما ساهمت الوزارة في تبني وتنفيذ تركيب محصولي يضمن إنتاج كميات كافية من القمح والذرة والمحاصيل الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي بما يخدم تلك المرحلة للاستعداد للحرب. واعتمدت وزارة الزراعة في هذه الفترة على نظام التخزين طويل الأجل، حيث استحدثت صوامع وغرف تبريد مرتبطة بالمجمعات الاستهلاكية، بالتنسيق المستمر مع وزارة التموين، وتم بيع السلع الأساسية إلى المواطنين بأسعار مدعومة، لتفادى أي موجة غلاء قد تؤثر على الروح المعنوية. مما يعكس نجاح وزارة الزراعة في أداء مهمتها الوطنية لتوزيع الإنتاج الزراعي على الجبهات المختلفة، لتحقيق التوازن بين تلبية احتياجات الجيش والمجتمع. وهذا الدور للوزارة كان جزءاً أساسياً من أدوات الدولة للحرب.

​ومن كتاب «حصار السويس – 100 مجهولة في حرب أكتوبر» «دار الحرية- القاهرة» للمؤرخ السويسي حسين العيشي- يعكس لنا صورة من صور من أجواء الحياة داخل مدينة السويس حيث كان مدير التموين حينها بالمحافظة أستاذ علاء الخولي والذي أدار المعركة بكفاءة دون التقيد بالروتين أو تعقيدات أو إضاءات، فالسلع التموينية في المخازن، وقرر أن يصرف على مسؤوليته لكل من في المدينة “دفعة منها مجانا”. على مسؤوليته الشخصية ولكل السكان.
​وفي يوليو 1972 قبل الحرب ب ١٤ شهر اجتمع الرئيس أنور السادات مع رئيس المخابرات العامة والمخابرات الحربية ومستشار الأمن القومي والقائد العام للقوات المسلحة لوضع خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد، واشملت الخطة على ستة محاور رئيسية:

– المحور الأول إجراءات تتعلق بنقل المعدات للجبهة، والمحور الثاني إجراءات تتعلق بالجبهة الداخلية، أما المحور الثالث إجراءات خداع ميدانية، والمحور الرابع إجراءات خداع سيادية، والمحور الخامس تأمين تحركات واستعدادات القوات المسلحة ،وأخيرا المحور السادس توفير المعلومات السرية عن العدو وتضليله.

وكان لوزارة التموين والتجارة الداخلية في ذلك الوقت دوراً استراتيجياً ومحورياً في تأمين صمود الجبهة الداخلية واستمرار الدعم اللوجستي خلال فترة الحرب إذ اعتمد المخطط العسكري والاستراتيجي للدولة على قاعدة أن “حرب الأيام المعدودات” تتطلب جبهة داخلية مستقرة تماماً لا تشعر بنقص السلع أو اضطراب الأسواق . حيث تمثل دور وزارة التموين والتجارة الداخلية في حرب أكتوبر ١٩٧٣م في عدة محاور أهمها:
​المحور الأول: اضطلعت الهيئة العامة للسلع التموينية بدور استباقي في بناء وإدارة مخزون استراتيجي آمن من السلع الرئيسية كالقمح والزيت والسكر والدقيق استعدادا لفترات الأزمات، في ظل تحديات اقتصادية ومالية بالغة الصعوبة رافقت تخصيص موارد الدولة للمجهود الحربي. وتكامل هذا الأداء مع تنسيق وثيق مع الأجهزة السيادية لتأمين مسارات الاستيراد، واستمرارية تدفق الغذاء من الخارج، وإيداع المخزون في مواقع آمنة وموزعة لضمان حمايتها من أي استهداف محتمل
​
​المحور الثاني: اتسمت المرحلة بانسيابية بالغة واستقرار تام في آليات التوزيع وصرف السلع التموينية المدعمة من خلال منظومة البطاقات، ومنافذ الجمعيات الاستهلاكية في مختلف المحافظات. ونجحت هذه المنظومة اللوجستية المستقرة في قطع دابر الاحتكار واستغلال الأزمات، ودرء أي تدافع أو تكالب جماعي بالأسواق، بما رسخ شعور المواطنين بالأمن والأمان المجتمعي

​المحور الثالث: عكست جهود قطاع الرقابة والتفتيش بالوزارة -بالتنسيق مع مباحث التموين- كفاءة عالية في حماية الجبهة الداخلية، من خلال إحكام الرقابة على الأسواق والأسعار، والتصدي بحزم لمحاولات تسريب السلع المدعمة أو حجبها. كما اضطلعت الوزارة بدور تنظيمي فاعلن لنشر_ ثقافة ترشيد الاستهلاك، وخلق حالة من التكافل الاجتماعي والتوازن المعيشي_ الذي يضمن وصول الاحتياجات الأساسية لكل شرائح المجتمع

​المحور الرابع: أدت وزارة التموين دورًا حيويًا في التنسيق الميداني ضمن مناطق العمليات والمناطق المتأثرة بالحرب وقصف مدن القناة، حيث حرصت على تأمين الخبز والمواد الغذائية العاجلة للسكان ومراكز الإيواء في ظل أصعب الظروف. وقد تاملت هذه الجهود المدنية والعسكرية لدعم أهالي خط القتال الأول؛ لتشكل الوزارة بذلك “خط الدفاع الثاني” الذي منح القيادة السياسية والقوات المسلحة طمأنينة كاملة تجاه الجبهة الداخلية، مما أسهم بشكل مباشر في تهيئة المناخ الداعم لتحقيق نصر أكتوبر المجيد عام 1973م.

الكاتب أ.د حمداوي بكري حبيب – أستاذ الاقتصاد الزراعي وعميد كلية الزراعة – جامعة الأزهر السابق بالقاهرة

Exit mobile version