يوسف عبداللطيف يكتب: سيناء تاريخ يكتب بطلقات القنص وأنفاس الصائمين

قفوا إجلالا، فنحن هنا لا نتحدث عن صفحات في كتب التاريخ، بل عن “جغرافيا معمدة بالدم”، وتاريخ يكتب بطلقات القنص وأنفاس الصائمين، هنا مصر، الدولة التي حولت رمال سيناء من مطمع للغزاة إلى مقبرة للأوهام، من ظن أن نيران العاشر من رمضان قد انطفأت بانتهاء العبور فهو واهم، فاللهيب الذي أحرق حصون “بارليف” في السبعينات هو ذاته الإعصار الذي اقتلع جذور الإرهاب الخسيس في الألفينات.
نحن أمة لا تسترد أرضها بالدبلوماسية الناعمة وحدها، بل بـ “عقيدة القادة” الذين يتقدمون الصفوف، وبدموع الأمهات التي تودع الأبطال بالزغاريد، وبميثاق غليظ وقعه الجندي المصري مع ربه، إما سيناء فوق الأرض، أو نحن في باطنها شهداء، يخطئ من يظن أن حرب العاشر من رمضان كانت مجرد “ساعة زمن” في تاريخ العسكرية العالمية، أو أن معاركنا ضد الإرهاب في سيناء كانت مجرد “مداهمات” أمنية.
الحقيقة التي يحاول العالم التغافل عنها هي أن سيناء ليست أرضا، بل هي “عقيدة” سكبت في عروق الجندي المصري، فأصبحت رمالها “مقدسة” لا تقبل القسمة على اثنين، وحدة “الچين” القتالي، الصائمون في الخنادق، ففي العاشر من رمضان 1393ه لم يكن الجندي المصري يحارب العدو الصهيوني بظمأ الجسد، بل بـ “ري” الروح، واليوم ونحن نستحضر تلك الذكرى نرى بوضوح أن الدماء التي روت “تبة الشجرة” و”خط بارليف” هي نفس الفصيلة التي روت “كمين البرث” ووديان وسط سيناء.
لا فرق بين بطل عبر القناة بمضخة مياه ليحطم أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، وبين بطل مثل العميد أركان حرب أحمد الجعفري، الذي ترك هيبة الرتبة في المكاتب، وارتدى “أفرول” الفداء ليطارد خفافيش الظلام في جبال سيناء الوعرة، الجعفري، حين تتحدث “الرتبة” لغة الرصاص، ليسمع العالم أجمع، في مصر لا يموت القادة خلف المكاتب المكيفة.
استشهاد قائد بحجم “أحمد الجعفري” وهو برتبة عميد أركان حرب ليس مجرد حادث عسكري، بل هو “رسالة سياسية” شديدة اللهجة لكل من تسول له نفسه المساس بأمننا، حين يتقدم “العميد” صفوف جنوده فهو ينسف كل نظريات العسكرية التقليدية، ويعيد إحياء “روح العبور”، الروح التي لا تعرف التراجع، والتي ترى في “العلم الذي لف به الجثمان”، كما رأيناه في يد أرملته الصابرة، وساما أسمى من كل نياشين الأرض.
جيش وشرطة “الضفيرة” التي لا تنقطع، فإن تلاحم دماء رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة البواسل في معركة التطهير الأخيرة هو “العبور الثاني” الحقيقي، لقد حاولوا عزل سيناء بالإرهاب بعدما فشلوا في عزلها بالاحتلال، فجاء الرد المصري “مزجا” بين خبرة أكتوبر وشراسة الحاضر، أرض الفيروز اليوم لم تعد تروى بالماء، بل بميثاق دم غليظ وقعه أبطال 73 بدمائهم، وبصم عليه شهداء الحرب على الإرهاب بأرواحهم.
إلى كل المحللين والمنظرين، لا تقيسوا قوة مصر بعدد الطائرات أو الدبابات فحسب، بل قيسوها ب “عقيدة الجعفري” و”صبر أرامل الشهداء”، نحن أمة لا تحتفل بذكرى النصر لتبكي على الأطلال، بل لنؤكد أن “فاتورة الفداء” مدفوعة مقدما، وأن سيناء التي استرددناها صائمين سنحميها صامدين إلى أبد الآبدين.
وليسمع القاصي والداني، إن سيناء بالنسبة للمصريين ليست “حدودا سياسية” نناقشها في أروقة الأمم المتحدة، بل هي “عرض وشرف” يغسل بالدم كلما حاول وغد أن يمسه، سيظل علم البطل أحمد الجعفري المبلل بدموع الوفاء، ودماء رفاقه التي عانقت رمال الفيروز، صرخة مدوية في وجه الزمان، أن هذه الأرض “محرمة” على الخائنين، “مقدسة” للصائمين، و”مقبرة” للطامعين.
نحن لا نحيي ذكرى العاشر من رمضان لنبكي رحيل الأبطال، بل لنعلن تجديد “بيعة الدم”، فمن عبر القناة بالصيام طهر الوديان بالإقدام، فليعلم العالم أجمع أن مصر التي استردت سيناء في 73 بالمعجزة قد حمتها في 2024 بالملحمة، فسلام على أرواح أهدتنا الحياة، وسلام على جيش وشرطة لم يعرفوا يوما معنى الانحناء إلا لله.
يوسف عبداللطيف يكتب: سيناء تاريخ يكتب بطلقات القنص وأنفاس الصائمين








