أهم الأخبارالمحافظات

دمياط… المدينة التي تستحق أن تُعرف بعيدًا عن الأزمات

 

كتبت _ نجوى إبراهيم

هناك مدن تفرض نفسها على عناوين الأخبار بسبب حدث عابر، وهناك مدن صنعت اسمها عبر قرون من العمل، حتى أصبح تاريخها أكبر من أي خبر، وهويتها أعمق من أي أزمة، و محافظة دمياط من هذا النوع الأخير؛ مدينة لا يجوز أن يقتصر الحديث عنها على حادث وقع في أحد مرافقها، لأنها قبل أن تكون ميناءً استراتيجيًا على البحر المتوسط، كانت ولا تزال واحدة من أهم المدن المنتجة في مصر، وعاصمة الصناعة الحرفية التي تحولت إلى صناعة وطنية تحمل اسم مصر إلى عشرات الأسواق.

لقد أعادت الأحداث الأخيرة اسم دمياط إلى واجهة الاهتمام، لكن هذا الاهتمام يطرح سؤالًا مهمًا: ماذا يعرف العالم عن هذه المدينة؟ وهل يكفي أن تُذكر لأنها كانت مسرحًا لحدث، بينما يغيب تاريخ طويل من الإنتاج والإبداع جعلها واحدة من أكثر المحافظات تأثيرًا في الاقتصاد المصري؟ من الصعب أن تجد مدينة مصرية ارتبط اسمها بحرفة كما ارتبط اسم دمياط بالأثاث.

هنا لا يبدأ العمل داخل مصنع كبير، وإنما داخل آلاف الورش التي تحولت عبر الزمن إلى مدارس حقيقية في الحرفة، فالطفل يرى والده وجده يعملان في الخشب، فيتعلم قبل أن يكبر كيف يميز بين أنواعه، وكيف تتحول قطعة خام إلى عمل فني يحمل توقيع الصانع الدمياطي.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تضم دمياط ما يقرب من 36% من منشآت صناعة الأثاث في مصر، وأن يعمل بها نحو 38% من العمالة الماهرة في هذا القطاع، وهي أرقام تكشف حجم الثقل الصناعي للمحافظة، وتفسر لماذا ظل اسمها لعقود مرادفًا للجودة والإتقان في صناعة الأثاث.

لكن صناعة الأثاث في دمياط ليست مجرد نجارة كما يتصور البعض، بل منظومة صناعية متكاملة تبدأ منذ لحظة وصول الأخشاب إلى ميناء دمياط قادمة من مختلف دول العالم.

ومن هناك تنتقل إلى ساحات التخزين، ثم إلى مصانع النشر والتقطيع، ثم إلى ورش التجفيف، قبل أن تبدأ رحلة التصميم، فالنجارة، فالخرط، فالقشرة الطبيعية، ثم أعمال الحفر اليدوي، والتطعيم، والتنجيد، والدهانات، وتركيب الإكسسوارات المعدنية، وأخيرًا التغليف والشحن.

إن قطعة الأثاث الدمياطية الواحدة قد تمر على أيدي أكثر من عشرة حرفيين، لكل منهم تخصصه الدقيق، حتى تخرج بالصورة التي يعرفها المستهلك داخل مصر وخارجها.

ولهذا لا يتحدث أبناء دمياط عن “صناعة الأثاث” باعتبارها مهنة واحدة، وإنما باعتبارها مجتمعًا كاملًا من الصناعات المغذية، يضم النجار، والخراط، والمبيض، والدهان، والمُنجد، ومصمم الزخارف، وصانع المقابض والإكسسوارات، وتاجر الأخشاب، وشركات النقل والتغليف، في سلسلة إنتاج متكاملة يعيش منها عشرات الآلاف من الأسر.

ورغم هذا التاريخ الطويل، فإن الصناعة لا تخلو من تحديات، فالدراسات المتخصصة تشير إلى أن الحفاظ على جودة المنتج أصبح التحدي الأكبر في ظل المنافسة العالمية، إذ لم تعد الأسواق الخارجية تكتفي بجمال التصميم أو انخفاض السعر، وإنما تبحث عن منتج يلتزم بأعلى معايير الجودة والاستدامة.

وقد رصدت دراسات أكاديمية عددًا من المعوقات، من بينها الحاجة إلى مزيد من التدريب على مفاهيم الجودة الشاملة، وتطوير نظم الرقابة على مراحل الإنتاج، وتعزيز التعاون بين المصانع والجهات المعنية بالمواصفات القياسية، حفاظًا على السمعة التاريخية للأثاث الدمياطي في الأسواق الدولية.

ومن هنا جاء المشروع القومي الذي غيّر مستقبل هذه الصناعة؛ مدينة دمياط للأثاث، التي افتتحها الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2019، لتكون أول وأكبر مدينة صناعية متخصصة في صناعة الأثاث والصناعات المكملة لها في الشرق الأوسط.

ولم يكن الهدف إنشاء منطقة صناعية جديدة فحسب، بل نقل الصناعة من مرحلة الورش المتفرقة إلى منظومة حديثة تجمع الإنتاج، والتكنولوجيا، والتدريب، والخدمات، والتسويق، والتصدير في مكان واحد.

أُقيمت المدينة على مساحة 331 فدانًا بمنطقة شطا، في موقع يتوسط الطريق الدولي الساحلي والطريق الرابط بين دمياط وبورسعيد، بما يضمن سهولة الوصول إلى الميناء والأسواق الداخلية والخارجية.

وتضم المدينة عشرات المصانع الكبيرة، وآلاف الورش الصغيرة والمتوسطة، ومركزًا لتكنولوجيا الأثاث، ومجمعًا للصناعات التكميلية يضم مصانع الدهانات والمواد اللاصقة والإسفنج والإكسسوارات، إلى جانب مناطق للمعارض، ومراكز تدريب، ومجمعات خدمية وإدارية، بما يجعلها نموذجًا متكاملًا لتطوير الصناعة المصرية، وليس مجرد تجمع للورش.

لقد أدركت الدولة أن مستقبل دمياط لا يقوم فقط على الحفاظ على الحرفة، بل على تطويرها، وربطها بالتكنولوجيا، وفتح أسواق جديدة أمامها، حتى تظل المدينة محتفظة بمكانتها عاصمةً لصناعة الأثاث في مصر، وقاعدةً صناعية قادرة على المنافسة عالميًا.

إذا كان الخشب هو اللغة التي تتحدث بها دمياط، فإن البحر هو القلب الذي منحها الحياة منذ مئات السنين، فالمحافظة التي تقع عند مصب فرع النيل في البحر المتوسط، لم يكن موقعها الجغرافي مجرد ميزة على الخريطة، بل كان السبب في أن تصبح عبر التاريخ بوابة للتجارة، وملتقى للقوافل البحرية، ومحطة تربط مصر بالعالم.

ومن هنا جاء ميناء دمياط، أحد أهم الموانئ المصرية على البحر المتوسط، والذي تحول خلال العقود الأخيرة إلى ركيزة رئيسية في منظومة النقل البحري واللوجستيات.

فالميناء لا يخدم محافظة دمياط وحدها، بل يخدم قطاعًا واسعًا من التجارة المصرية، ويستقبل سفن الحاويات والبضائع العامة والصب الجاف والسائل، ويُعد أحد الموانئ المحورية في شرق البحر المتوسط، بما يمتلكه من أرصفة حديثة، ومحطات متطورة، وقدرات تشغيلية جعلته عنصرًا أساسيًا في خطة الدولة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت.

ولأن الميناء لم يكن يومًا مجرد أرصفة وسفن، فقد نشأت حوله منظومة اقتصادية كاملة؛ شركات شحن، ووكلاء ملاحيون، ومراكز لوجستية، ومخازن، وصناعات تعتمد على حركة التجارة البحرية، وهو ما منح دمياط ميزة تنافسية لا تتوافر لكثير من المدن المصرية.

وعلى بعد كيلومترات قليلة من الميناء، تقف عزبة البرج، واحدة من أشهر مدن الصيد في مصر، والتي لا يعرفها كثيرون إلا أهل البحر، هنا لا يبدأ اليوم مع شروق الشمس، بل قبلها بساعات، حيث تخرج مئات المراكب إلى عرض البحر، بينما تستعد الورش لاستقبال سفن تحتاج إلى صيانة، أو مراكب جديدة ما زالت تتشكل قطعةً بعد أخرى.

وتُعد عزبة البرج من أهم مراكز بناء وصيانة مراكب الصيد الخشبية في مصر، وهي حرفة توارثتها الأجيال حتى أصبح صُنّاعها قادرين على بناء مركب صيد كامل اعتمادًا على الخبرة المتراكمة، دون الحاجة إلى رسومات هندسية معقدة.

إنها هندسة شعبية نادرة، حافظت على بقائها رغم تطور التكنولوجيا، وأثبتت أن الحرفة المصرية لا تزال قادرة على المنافسة عندما تجد من يدعمها ويطورها.

ولم يكن البحر بالنسبة لأبناء دمياط مصدرًا للتجارة فقط، بل مصدرًا للرزق أيضًا، فالمحافظة من أكبر مراكز الصيد في مصر، وتنتشر بها مراكب الصيد التي تجوب البحر المتوسط، وتوفر آلاف فرص العمل للصيادين، والعاملين في تجارة الأسماك، وصناعة الثلج، والنقل، والتعبئة، وسلاسل الإمداد المرتبطة بهذا النشاط.

ومن البحر إلى النهر، تظهر رأس البر، المدينة التي تحتل مكانة خاصة في الوجدان المصري، باعتبارها من أقدم المصايف المنظمة، هناك حيث يلتقي فرع دمياط بالبحر المتوسط في مشهد يعرفه المصريون باسم «اللسان»، تقف الطبيعة لتقدم واحدة من أجمل اللوحات الجغرافية في مصر.

ولم يكن هذا المكان مجرد مقصد للترفيه، بل أصبح جزءًا من هوية المحافظة، وواجهة سياحية تستقبل آلاف الزائرين كل عام.

لكن دمياط لا تُعرف بالصناعة والبحر فقط، بل بالمذاق أيضًافالجبن الدمياطي ليس مجرد منتج غذائي يحمل اسم المدينة، بل أحد أشهر المنتجات المصرية التي تجاوزت حدودها الجغرافية، حتى أصبح اسمه علامة مسجلة في كثير من الأسواق العربية.

كما ارتبطت المحافظة بصناعات غذائية أخرى، وبالحلوى الدمياطية، التي ما زالت تحافظ على حضورها في الذاكرة الشعبية، وعلى رأسها «المشبك»، الذي تحول من حلوى شعبية إلى جزء من التراث الغذائي للمحافظة.

ورغم كل هذه المقومات، فإن القيمة الحقيقية لدمياط تبقى في الإنسان، فهذه المدينة لم تبن مكانتها بثروة طبيعية استثنائية، ولا باكتشافات مفاجئة، وإنما بسواعد أبنائها.

فمن داخل الورشة، وعلى ظهر مركب الصيد، وفي ساحات الميناء، وداخل المصانع، تشكلت شخصية دمياط؛ شخصية تؤمن بأن العمل ليس مجرد وسيلة للرزق، بل أسلوب حياة، وأن الجودة لا تتحقق بالصدفة، وإنما بالصبر، والتدريب، واحترام المهنة.

ولعل هذا ما يفسر قدرة المدينة على الاحتفاظ بمكانتها رغم ما واجهته صناعة الأثاث من تحديات خلال السنوات الماضية، سواء بسبب المنافسة العالمية، أو تغير أنماط الإنتاج، أو ارتفاع تكلفة الخامات، أو الحاجة المستمرة إلى تطوير التصميمات، ورفع كفاءة العمالة، وتعزيز ثقافة الجودة.

فدمياط لم تتوقف عن الإنتاج، بل ظلت تبحث عن أدوات جديدة للحفاظ على ريادتها، مدعومة بمشروعات قومية، وبنية تحتية حديثة، ورؤية تستهدف نقل الصناعة من مرحلة الحرفة التقليدية إلى اقتصاد صناعي أكثر قدرة على المنافسة.

وحين ينظر المرء إلى دمياط من هذه الزاوية، يدرك أنها ليست محافظة تعيش على إرث الماضي، وإنما مدينة تبني مستقبلها كل صباح؛ في ورشة نجار، وعلى رصيف ميناء، وفي مصنع حديث، وفوق مركب صيد يشق البحر بحثًا عن الرزق، وفي يد عامل يؤمن بأن ما يصنعه اليوم قد يحمل غدًا اسم مصر إلى العالم.

غير أن السؤال الأهم يبقى: هل حصلت دمياط على ما تستحقه من التعريف والترويج؟الحقيقة أن هذه المدينة لا تحتاج إلى صناعة تاريخ جديد، بل إلى إعادة تقديم تاريخها للعالم.

فهي تمتلك مقومات نادرة؛ صناعة عريقة، وعمالة ماهرة، وميناءً عالميًا، وموقعًا استراتيجيًا، ومشروعًا قوميًا هو الأكبر في الشرق الأوسط لصناعة الأثاث، وكلها عناصر تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للصناعة والاستثمار والتجارة.

واليوم، لم تعد المنافسة العالمية تقوم على جودة المنتج وحدها، بل على بناء علامة تجارية قوية، ودمياط تملك كل مقومات أن تصبح علامة عالمية في صناعة الأثاث، إذا تواصل الاستثمار في تطوير التصميم، ورفع كفاءة العمالة، ودعم الورش الصغيرة، والتوسع في التسويق وفتح أسواق جديدة.

كما أن ما تمتلكه المحافظة من ميناء محوري، وصناعات بحرية، ومقومات سياحية، يجعلها نموذجًا متكاملًا لمدينة تجمع بين الصناعة والتجارة والسياحة، بما يعزز مكانتها على خريطة الاقتصاد المصري.

ولعل ما يميز دمياط أكثر من أي شيء آخر هو إنسانها؛ ذلك الحرفي الذي صنع من الخشب فنًا، ومن الإتقان ثقافة، ومن العمل هوية،. فهذه المدينة لم تبن مكانتها بالصدفة، بل بسواعد أبنائها الذين جعلوا اسمها مرادفًا للجودة والإبداع.

لهذا، فإن دمياط تستحق أن تُعرف بما قدمته لمصر من صناعة وإنتاج، لا بما شهدته من أحداث عابرة، فالأزمات تمضي، أما المدن التي تبني مجدها بالعمل، فتبقى شاهدة على أن قيمة الأوطان تُصنع بسواعد أبنائها.

وشهد ميناء دمياط مؤخرًا حادثًا استثنائيًا أعلنت الدولة المصرية أنه نتج عن طائرة مسيّرة، وأسفر عن اندلاع حريق خلال وجود سفينتي التغويز “إنرغوس إسكيمو” (Energos Eskimo) والتخزين “إنرغوس باور” (Energos Power)، وتعاملت الأطقم البحرية وأجهزة الدولة مع الموقف بكفاءة وسرعة، بما أسهم في احتواء تداعيات الحادث، فيما تواصل الجهات المختصة استكمال التحقيقات لكشف جميع ملابساته.

زر الذهاب إلى الأعلى