بعد سنوات من التطبيق.. من يكتب النسخة الجديدة لقانون المنظمات النقابية؟

كتبت: نجوى إبراهيم
لم يعد النقاش حول قانون المنظمات النقابية العمالية يدور حول مواده أو فلسفته التشريعية بقدر ما أصبح يدور حول ما كشفته سنوات التطبيق من تحديات وأسئلة تستحق التوقف.
ومن هنا اكتسبت الورشة التي نظمها الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بالتعاون مع منظمة العمل العربية، تحت عنوان “قانون المنظمات النقابية العمالية بين الواقع والمأمول”، أهمية خاصة، إذ نقلت الحوار من مرحلة الدفاع عن النصوص إلى مرحلة تقييم التجربة والبحث عن أدوات التطوير.
فالورشة، التي تستمر على مدار يومين، لم تُطرح باعتبارها منصة لمراجعة قانونية فحسب، وإنما كمساحة للحوار بين الحكومة والتنظيم النقابي والقضاء والخبراء، في محاولة للإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن أن يصبح القانون أكثر قدرة على مواكبة المتغيرات التي يشهدها سوق العمل؟

وفي هذا السياق، جاءت كلمة وزير العمل حسن رداد داخل ورشة العمل، لتؤكد أن الدولة تنظر إلى تطوير التشريعات العمالية باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لتحديث بيئة العمل، وتنفيذه في إطار رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي لبناء منظومة تشريعية عصرية تتوافق مع المعايير العربية والدولية، وتحافظ في الوقت نفسه على التوازن بين حماية حقوق العمال وتوفير مناخ جاذب للاستثمار.
وأكد الوزير أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، وما أفرزته من أنماط عمل جديدة، تفرض وجود تنظيمات نقابية أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع هذه المتغيرات، باعتبارها شريكًا في حماية الحقوق، وداعمًا للإنتاج، وعنصرًا فاعلًا في تحقيق أهداف الجمهورية الجديدة.

ولم يتوقف الوزير عند أهمية التشريع، بل ربط نجاحه بمدى القدرة على تطبيقه، مؤكدًا أن نشر الوعي القانوني وبناء قدرات التنظيمات النقابية يمثلان الضمانة الحقيقية للتطبيق السليم، وأن الحرية النقابية والحوار الاجتماعي يشكلان ركيزة أساسية لاستقرار علاقات العمل وتعزيز الشراكة بين أطراف العملية الإنتاجية.

وفي الاتجاه نفسه، جاءت كلمة عبدالمنعم الجمل، رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، لتؤكد أن مراجعة التشريعات بعد سنوات من التطبيق ليست تشكيكًا في القانون، وإنما ممارسة مؤسسية طبيعية تعكس حيوية التشريع وقدرته على التطور.
وأوضح أن قوة أي قانون لا تقاس بعدد مواده، وإنما بما يحققه من استقرار وعدالة وكفاءة في تنظيم العلاقات النقابية.
وأشار الجمل إلى أن الهدف من الورشة ليس المطالبة بتعديل القانون لمجرد التعديل، وإنما الوقوف أمام ما كشفه التطبيق العملي من ملاحظات، والاستماع إلى مختلف وجهات النظر بشأن المواد التي قد تحتاج إلى مراجعة، إلى جانب تطوير منظومة الانتخابات النقابية، والاستفادة من أدوات التحول الرقمي، بما يعزز الشفافية ويحافظ على الضمانات القانونية.

وما يميز هذه الورشة أنها جمعت، على مائدة واحدة، ممثلي الحكومة، والتنظيم النقابي، والسلطة القضائية، ومنظمة العمل العربية، وهو ما منح الحوار أبعادًا متعددة؛ فالقضاء قدم رؤيته المستندة إلى التطبيق العملي، ومنظمة العمل العربية طرحت خبراتها ومعاييرها، بينما عرضت الحركة النقابية رؤيتها المستمدة من الممارسة اليومية داخل مواقع العمل.

وتكشف المناقشات أن القضية لم تعد تقتصر على تعديل بعض المواد أو إعادة صياغة بعض النصوص، وإنما تمتد إلى إعادة النظر في آليات تنفيذ القانون، وتعزيز ثقافة الحوار الاجتماعي، والاستعداد للاستحقاقات النقابية المقبلة بمنظومة أكثر كفاءة وشفافية، تتناسب مع التحولات التي يشهدها سوق العمل.
ولعل الرسالة الأهم التي خرج بها اليوم الأول للورشة أن مستقبل التنظيم النقابي لن يصنعه التشريع وحده، كما لن تصنعه الممارسة وحدها، وإنما سيولد من التقاء الاثنين؛ قانون يستفيد من التجربة، وتنظيم نقابي يمتلك القدرة على مواكبة المستقبل، في إطار شراكة حقيقية بين الدولة وأطراف الإنتاج، تجعل من الحوار الاجتماعي أداة للتطوير، ومن القانون إطارًا يوازن بين الحقوق والواجبات، ويدعم استقرار العمل والإنتاج.









