دلائل الاعلام في القران الكريم (1-2)

د.فتحي حسين

أصبح تقدم الامم يقاس بتطور علومها، لكنَّ هذه العلوم لا تستطيع أن تؤتي أُكلَها، بدون إعلام متطور، ويجب أن نسلِّمَ اليوم أن العالم بمشارقه ومغاربه أصبح قرية صغيرة، بفضل وسائط الاتصال المتعددة ووسائل الإعلام المتنوعة، والمعركة التي تجري رحاها بين الإسلام وأعدائه، معركة إعلامية بالأساس، فكلُّ الحروب الأخرى – الثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية – لا تستطيع تحقيق مآربها في غياب آلة إعلامية فتَّاكة تُحسن اختيار الأوقات المناسبة؛ لتوجيه ضرباتها وهجماتها بإتقان. ويعتبر الإعلام أحد الآليات الرئيسية والوسائل المهمة في نشر تعاليم الدين والدعوة إلى الله تعالى، ونشر الفضيلة وإعلام الناس بكل ما هو جديد ومفيد، ذلك أن الإسلام نظام متكامل صالح لكل زمان ومكان، جاء لتنظيم حياة الناس كافة في أوقات السلام والحرب.
وهناك بعض الدلائل علي اهمية الإعلام في القرآن الكريم كما جاء عن عن الخبر ومشتقاته قال الله عز وجل ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾. سورة الكهف الآية(68)، و﴿كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾. سورة الكهف الآية(91)، و﴿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. سورة النمل الآية(7)، و﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. سورة القصص الآية(29).
وقد انكشفت هوية الاعلام قبل أن يخلق الله تعالى آدم عليه السلام، حيث أعلم الله تعالى عباده من الملائكة، وأخبرهم، بعزمه على خلق آدم عليه السلام، وحاورهم سبحانه عن هذا الخلق وطبيعته وقدراته وإمكانياته البدنية والعقلية والعلمية، ومهمته في الوجود، فأخبرهم الله بأنه جاعل في الأرض خليفة؛ أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلًا بعد جيلًا، فتساءلوا بدهشة أو استغراب: كما في قوله عز وجل في سورة البقرة الآية(30) ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وهو سؤال استفساري وليس اعتراضيًا لأنهم – حسب كثير من المفسرين – شهدوا خلائق أخرى قبل آدم عاثت في الأرض فسادا وأراقت أنهارا من الدماء، فاعتقدوا، بالقياس، أن المخلوق الجديد سيكون هو الآخر عنيفا ودمويًا
ثم خلق الله آدم وجعل منه نبيًّا وفي ذريته أنبياءَ ورسلًا وهم – يقينا – أكبر إعلاميي البشرية على الإطلاق، لأن الله تعالى كلَّفهم بإعلام الناس بالدين الحق الذي يقوم على توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية المطلقة. قال الله تعالى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. سورة البقرة الآية(213).
فالكلمة الإعلامية الحرة والمستقلة والشفافة والنزيهة والمحايدة هي التي تحرص على التحرك أفقيًا وعموديًا بين الناس ومن منطلق المسؤولية روحًا ومبدًا، محافِظةً – في ظل تحركها الدائم – على شرفها من التلوث أو الانحياز للباطل، وواعيةً بخطورة آثارها إِنْ حادت عن خط الضمير الحي والسلوك القويم، وغير مُستحضِرة إطلاقًا لمقتضيات القانون وتحذيراته وإجراءاته العقابية، أي أن الكلمة الإعلامية تُنتج عملَها الأخلاقي السليم بمعزل عن التفكير في القانون وعقوباته (ليس من باب التعإلى عليه أو احتقاره ولكن من باب ثقتها بسلامة منهجها الفطري في الأداء المهني)، إيمانا منها أنها عمل صالح يرفعه الله إليه ويؤجِر عليه بجنة النعيم كما في قوله سبحانه وتعإلى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.صدق الله العظيم
مما لا شك فيه ان الضوابط القرآنية للكلمة الإعلامية، تعتبر ذات طبيعة إلزامية، مما يعني أن عدم احترام هذه الضوابط في الممارسة الإعلامية التي نراها دوما في العمل يستوجب الجزاء عن ذلك. ولا معنى للإلزام إِنْ لم يكن مقترنا بالمسؤولية. بل إنَّ المسؤولية هي نوع خاص من الإلزام، تجعل من القائم على الإعلام مسؤولا عن عمله وما خطته أنامله من قول أو فعل أو ترك، كتابة أو شفاهة أو صورة.
ومعنى ذلك أنه مسؤول أمام الله تعالى أولا وان الله مراقب لكل الاعمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. سورة النساء الآية(1). وفي قوله عز وجل ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. سورة الكهف الآية(49).
ثم ثانيا: أمام ضميره إِنْ كانت نفسه صادقة تخاف من الانحراف عن صراط الحق، وتميل إلى المحاسبة ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. سورة القيامة الآية(2)، إذ أن الضمير الحي والواعي، وإِنْ أخطأ، فإنه سرعان ما يعود إلى الحق فيلُوم ذاته ويحاسبها على ما بدر منه وبما يفيد الندم والتوبة النصوح. وفي ذلك يقول الحسن البصري، رحمه الله، في النفس اللوامة: “إن المؤمن والله لا نراه إلا لائما لنفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه”.
كما أن لا أحد يختلف حول أن آدم عليه السلام – الذي اصطفاه الله واجتباه، كما في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. سورة آل عمران الآية(33)، قد وظَّف كلمته الإعلامية في التعريف بالدين الحق الذي يقوم على شهادة أن لا إله إلا الله، وفي نشر المعروف والدعوة إليه، وفضح المنكر والنهي عن إتيانه بصوره المتعددة والمتنوعة والملتبسة، وفي التأسيس لحياة إنسانية تسودها الفضيلة وتحكمها موازين الحق والعدالة والخير.

لذلك نعتقد أن الكلمة الإعلامية، منذ نشأتها الأولى، وهي تعمل بوسائلها المشروعة والنظيفة من أجل الوصول إلى الحقيقة في كل شيء، وتسهر على أداء رسالتها النبيلة في تقديم المعلومات والأخبار والآراء والأفكار والمعتقدات لكافة الناس بروح الحرية المقرونة بالمسؤولية، كما في قوله تعإلى ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. سورة الكهف الآية(29).
فالكلمة الإعلامية الحرة والمستقلة والشفافة والنزيهة والمحايدة هي التي تحرص على التحرك أفقيًا وعموديًا بين الناس ومن منطلق المسؤولية روحًا ومبدًا، محافِظةً – في ظل تحركها الدائم – على شرفها من التلوث أو الانحياز للباطل، وواعيةً بخطورة آثارها إِنْ حادت عن خط الضمير الحي والسلوك القويم، وغير مُستحضِرة إطلاقًا لمقتضيات القانون وتحذيراته وإجراءاته العقابية، أي أن الكلمة الإعلامية تُنتج عملَها الأخلاقي السليم بمعزل عن التفكير في القانون وعقوباته (ليس من باب التعإلى عليه أو احتقاره ولكن من باب ثقتها بسلامة منهجها الفطري في الأداء المهني)، إيمانا منها أنها عمل صالح يرفعه الله إليه ويؤجِر عليه بجنة النعيم كما في قوله سبحانه وتعإلى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. سورة فاطر الآية(10)..

شارك المقال