أهم الأخبارآراء

محمد حربي يكتب: جنوب أفريقيا بمفردها تحاكم إسرائيل


ليس بالضرورة، أن تكون الوفاة بخروج الروح من الجسد فقط، بل قد يموت القلب، حتى قبل انتهاء الأجل.. ومن ثم، فما هي قيمة الحياة لملياري مسلم وعربي، لا تحترق قلوبهم، ولا تشتعل النار في صدورهم، وهم يشاهدون ، بمشاعر متبلدة، المذابح، والمجازر الوحشية، التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، وبدم بارد، سقطت معه الأقنعة عن كثير من الوجوه المزيفة ” فصلوا عليهم، صلاة الميت قبل وفاته”.. وقد بات من العار علينا أن نتابع، ومعنا العالم كله، هذا الموقف المنفرد، وربما نقول “المتفرد ” لجنوب أفريقيا ” الحرة”، السائرة على نفس خطى الثائر الأفريقي نلسون مانديلا، والتي تقف في ساحة محكمة العدل الدولية بمدينة لاهاي الهولندية، من أجل مقاضاة إسرائيل، بتهمة ارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة منذ اندلاع ” طوفان الأقصى ” يوم 7 أكتوبر العام الماضي، مع غياب أي دور أو مساندة من الأمة العربية والإسلامية، في مشهد لن تنساه الأجيال القادمة، ويظل محفورا في سجل التاريخ .
وإذا كان التحرك العربي – الإسلامي، من أجل حشد دولي لوقف الحرب في غزة، قصد عواصم عدد من الدول العظمى، دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي لا يمكن أن تبرأ ذمة بعضها من الذنب، سواء من خلال : المشاركة، والتآمر، أو على الأقل الوقوف موقف المتخاذل، من المذابح الوحشية التي يرتكبها قادة، وعصابات ” ولا أقول جيوش ” الاحتلال الإسرائيلي، ضد الشعب الفلسطيني، منذ أكثر من ثلاثة شهور تقريبا.. فإنه على العكس من هذا المسار الدبلوماسي، قررت جمهورية جنوب أفريقيا ” منفردة “، أن تخوض معركة قانونية ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي، بتهمة القيام بأعمال إبادة جماعية للفلسطينيين، وهي الجريمة، المعاقب عليها، وفقا لما وافقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإجماع، وبما فيها الحكومة الإسرائيلية، التي صادقت عليها عام 1950م.
وإسرائيل، التي كلفت محاميا دوليا للدفاع عنها، أمام محكمة العدل الدولية، في جلسة الخميس الموافق 11 من الشهر الجاري، وعلى مدى يومين، فقد استبقت الأحداث، والدفع بآلتها الإعلامية الصهيونية العالمية، لممارسة دورها المعتاد في تضليل الرأي العام العالمي، من خلال التشويش ” بروباغندا ” تشكك في حيثيات الدعوى القضائية لجمهورية جنوب أفريقيا، ولعل هذا يفسر ظاهرة استهداف القوات الإسرائيلية للإعلاميين، والصحفيين، وهم يحملون الكاميرا والقلم، حتى تطمس أدلة الإدانة على ما تمارسه من جرائم إبادة جماعية، وبالتأكيد لن يفلت من المحاسبة عليها رئيس وزراءها بنيامين نتانياهو، وكبار قياداتها العسكرية، وكافة المتورطين أمام المحكمة الجنائية الدولية، عند تحريك دعوة قضائية ضده، ونأمل أن تكون خطوة ” بريتوريا ” محفزة لأمتنا العربية والإسلامية، لتأخذ زمام المبادرة القادمة، في التوجه إلى لاهاي من جديد، لأنه من العار، يتحرك غيرنا، وأمتنا عاملة ” نايمة “.. فنحن الأولى ببني جلدتنا .
إن قبول إسرائيل – المتغطرسة -، المثول أمام محكمة العدل الدولية، في مواجهة جنوب أفريقيا، ربما يكون له دلالات، أهمها: أنه بجانب مخاوفها من صدور أمر قضائي، أو فرض تدابير احتياطية، وفقا (المادة 41 من النظام الأساسي)، بشأن التعليق الفوري للعمليات العسكرية الإسرائيلية، فإنه يحمل بين طياته، هاجس الخوف عند قادة الاحتلال، من تخلي أمريكا عنهم، ولو مؤقتا، مجرد” قرصة ودن ” لنتانياهو، المتمرد على البيت الأبيض، والخروج عن الخط المرسوم له، وتحذيرات الإدارة الأمريكية، بعدم فتح جبهة قتال جديدة في لبنان، مما وسع رقعة الخلاف مع بايدن، خاصة بعد تنفيذه عملية اغتيال صالح العاروري، أحد قيادات حركة ” حماس “، والتي قد تكلفه ثمنا باهظا، على غرار ما حدث منه عام 2015م، عندما توجه للكونغرس الأمريكي، لإحراج الرئيس الأسبق أوباما، فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني آنذاك، وجاء عقاب واشنطن سريعا، حيث امتنعت عن إستخدام الفيتو بمجلس الأمن، وتم تمرير القرار 2334، الذي أدان الاستيطان، وطالب بوقف أنشطته في الأراضي الفلسطينية.
بالأمس القريب، لم تكتف جنوب أفريقيا بالحياد أو الإدانة المبطنة لإسرائيل، ووقفت بجانب الفلسطينيين داعمة ومساندة في العلن، منذ اللحظات الأولى للحرب الصهيونية على غزة، في وقت كانت فيه الامبريالية الغربية، تصب غضبها على المقاومة، أما خطاب ذوي القربى والأرحام، كاد يساوي بين الضحية والجلاد.. واليوم تفاجئ “بريتوريا ” الجميع بخطوة جريئة، كأول من تقاضي الاحتلال الإسرائيلي، أمام محكمة العدل الدولية، والتي من شأنها أن تسقط ورقة التوت عن كثيرين: إذ أنها سوف تربك حسابات واشنطن، إذا فكرت في استخدام حق الفيتو الأمريكي، حال صدور أمر من المحكمة، لأنها بذلك سوف تضرب مصداقية المنظمات الدولية، وكذلك تكشف الموقف العربي – الإسلامي المتخاذل، عن المشاركة في هذه الدعوى القضائية بشأن جريمة الإبادة الجماعية.
وعلى طريقة الحكمة الصينية القديمة، بدأ حال أمتنا ” لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم”، وأخشى أن يصل لحد التواطؤ، أمام جرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، وحتى ما كنا ننتقده في زمان الشجب والإدانة، وننظر إليه كتعبير عن العجز، و مجرد إثبات حضور، لم نعد نستطيعه الآن، لأن الأمة اليوم غائبة، فلا شئ يحدث إلا هذا الصمت المطبق..صمت الأموات في القبور.
صحفي وكاتب
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى