
الاهتمام بالمشروعات الصغيرة لم يعد رفاهية اقتصادية أو مجرد شعار يتردد في المؤتمرات والندوات بل أصبح ضرورة حتمية تفرضها تحديات الواقع وتغيرات الأسواق ومتطلبات الأجيال الجديدة التي تبحث عن فرصة عمل كريمة ودخل ثابت وحياة أفضل.
تعد المشروعات الصغيرة هي العمود الفقري لاقتصاد أي دولة تنشد النمو الحقيقي لأنها قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الشباب والمرأة وتحويلهم من طاقة معطلة إلى قوة منتجة تساهم في الناتج القومي وتدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام.
والدول التي سبقتنا في طريق التقدم لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا حين راهنت على هذه المشروعات ودعمت أصحابها بالتمويل والتدريب والتسويق وفتحت أمامهم الأبواب المغلقة ورفعت عنهم القيود البيروقراطية التي تقتل أي فكرة قبل أن تولد.
والمشروعات الصغيرة تبدأ بحلم بسيط من داخل بيت أو ورشة صغيرة أو محل متواضع لكنها حين تجد من يؤمن بها ويقف خلفها تتحول إلى كيان اقتصادي ناجح يشغل أيدي عاملة ويفتح بيوتا ويخلق سلاسل قيمة جديدة تخدم المجتمع كله والاهتمام بهذه المشروعات يعني الاهتمام بالإنسان أولا لأن صاحب المشروع الصغير هو مواطن قرر أن يعتمد على نفسه وأن يواجه الظروف الصعبة بفكرة وإرادة وأن يحول التحدي إلى فرصة والبطالة إلى عمل والإحباط إلى أمل.
والدولة حين تضع المشروعات الصغيرة على رأس أولوياتها فإنها في الحقيقة تستثمر في مستقبلها وتبني اقتصادا أكثر عدالة وتوازنا وأقل اعتمادا على الوظائف الحكومية والمؤسسات الكبرى وحدها،.
التجربة أثبتت أن كل جنيه يتم ضخه في مشروع صغير يعود على الدولة أضعافا مضاعفة من خلال الضرائب والتأمينات وفرص العمل وسد فجوات الاستيراد وتقليل الطلب على العملة الصعبة، والشباب اليوم يمتلكون من الوعي والإبداع ما يؤهلهم لإطلاق مشروعات غير تقليدية تواكب العصر الرقمي وتدخل في مجالات التكنولوجيا والصناعات الحرفية والغذائية والخدمية والسياحية لكنهم يحتاجون إلى من يأخذ بأيديهم ويمنحهم الثقة والتمويل الميسر والتدريب الحقيقي الذي يحول الفكرة إلى منتج والمنتج إلى علامة تجارية قادرة على المنافسة.
والبنوك ومؤسسات التمويل عليها دور كبير في تغيير فلسفتها من تمويل الضمانات إلى تمويل الأفكار ومن انتظار العميل إلى البحث عنه ومن الإجراءات المعقدة إلى الحلول الذكية التي تختصر الوقت والجهد وتفتح باب الأمل.
والجامعات والمدارس يجب أن تزرع ثقافة العمل الحر وريادة الأعمال في عقول الطلاب منذ الصغر حتى يدرك الجيل الجديد أن الوظيفة ليست نهاية الطريق وأن المشروع الصغير قد يكون بداية إمبراطورية اقتصادية كبيرة، والإعلام أيضا شريك أساسي في هذه المنظومة حين يسلط الضوء على النماذج الناجحة وينقل قصص الكفاح الملهمة ويقدم المعلومة والنصيحة والدعم المعنوي لكل شاب يفكر في أن يبدأ طريقه.
والمشروعات الصغيرة ليست فقط للشباب بل للمرأة التي تثبت كل يوم أنها قادرة على الإدارة والإنتاج والتسويق والتصدير من داخل منزلها ومن خلال منصات إلكترونية وصلت بها إلى أسواق لم تكن تحلم بها وهي أيضا للريف الذي يمتلك ثروات وموارد تحتاج فقط إلى من يستثمرها بشكل صحيح ويحولها إلى منتجات ذات قيمة مضافة ترفع دخل الأسر وتحقق التنمية المتوازنة بين المحافظات.
إن الاهتمام بالمشروعات الصغيرة هو اهتمام بالاقتصاد الحقيقي الذي ينبع من الشارع ومن المصنع الصغير ومن الورشة ومن الأرض الزراعية ومن كل يد تبني وتعمل وتكسب رزقها بالحلال.
المرحلة القادمة تتطلب تكاتف كل الجهات من حكومة وقطاع خاص ومجتمع مدني وبنوك وإعلام وجامعات حتى تتحول المشروعات الصغيرة من طاقة كامنة إلى محرك أساسي للتنمية وحتى يشعر كل صاحب حلم أن حلمه له مكان وأن جهده لن يضيع وأن الدولة تقف في ظهره تدعمه وتحميه وتفتح له الأبواب لأن مستقبل هذا الوطن تصنعه المشروعات الصغيرة قبل الكبيرة وتصنعه الإرادة قبل رأس المال وتصنعه العقول التي تؤمن أن الغد الأفضل يبدأ بخطوة صغيرة اليوم
ريم عبدالعزيز تكتب : المشروعات الصغيرة تعيد صياغة المستقبل








