د. محمد عبدالحميد العوامري يكتب :عيد الأضحى والتضامن الاجتماعي.. قراءة دستورية في فلسفة التكافل المجتمعي

كيف سبقت الشريعة الدساتير الحديثة في حماية الفقراء؟
ارتبط تطور المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ بتطور فكرة التضامن الاجتماعي، وما صاحبها من تطور في النظم القانونية والدستورية التي سعت إلى تحقيق التوازن بين الفرد والجماعة، وضمان الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية والاستقرار الإنساني. ومع نشأة الدساتير الحديثة، لم تعد وظيفة الدولة مقتصرة على حفظ الأمن والنظام العام، بل امتدت لتشمل الالتزام بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الضمانات الكفيلة بحماية الفئات الأكثر احتياجًا داخل المجتمع.
ومن هنا برز مفهوم “التضامن الاجتماعي” بوصفه أحد المرتكزات الأساسية للدولة الحديثة، باعتباره الوسيلة التي يتحقق بها التماسك المجتمعي، وتُصان من خلالها كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم.
وقد تأثرت الدساتير الحديثة في صياغة هذا المفهوم بما استقر في الضمير الإنساني من قيم أخلاقية ودينية سبقتها بقرون طويلة، وفي مقدمتها ما قررته الشريعة الإسلامية من مبادئ التكافل والتراحم والتعاون بين الناس.
فالإسلام لم ينظر إلى المجتمع باعتباره تجمعًا لأفراد متنافرين، وإنما باعتباره كيانًا متكاملًا يقوم على المسؤولية المشتركة، وهو ما تجسد في منظومة الزكاة والصدقات والكفارات والأضاحي وغيرها من التشريعات التي هدفت إلى تحقيق نوع من التوازن الاجتماعي والاقتصادي داخل الجماعة الإنسانية.
وفي هذا السياق، جاء الدستور المصري ليؤكد هذا المعنى بصورة صريحة، حين نصت المادة (8) منه على أن: “يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي، وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون”.
ويتضح من خلال النص الدستوري المشار إليه تأكيد المشرع على السياسة الاجتماعية التي يتبناها، وذلك بالنص على الأساس الذي يقوم عليه المجتمع المصري، وهو التضامن الاجتماعي في مفهومه العام، والذي يوثق ما بين أفراده من صلة التراحم والتعاون التي تقتضي السماحة والرفق والتواد بين المواطنين، الذين انطبعت حياتهم على التواصل فيما بينهم، وارتباطهم بروح الأسرة الواحدة التي ربطت الأواصر بينهم، وجعلت أي واحد منهم لصيقًا بالآخر، لا يشعر أنه غريب عنه.
فهذا النص يمثل ما يجب أن يسيطر على عقلية الفرد المصري من الإحساس بأفراد المجتمع الآخرين، وتلمس حاجاتهم، وتكوين سياج من التعاون والتراحم تحت راية “المساواة والعدل”، للوصول إلى جدار سميك من الوحدة الوطنية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار الوطن ووحدته.
ومن ثم، فإن فكرة الضمان الاجتماعي في الدستور المصري تعكس فلسفة اجتماعية متكاملة تقوم على حماية الإنسان من العوز والإقصاء الاجتماعي، وتحقيق قدر من العدالة يضمن التوازن داخل المجتمع.
ولذلك ارتبط مفهوم التضامن الاجتماعي في الفكر الدستوري المصري ارتباطًا وثيقًا بفكرة الكرامة الإنسانية، باعتبار أن توفير الحماية الاجتماعية للفئات الضعيفة يمثل أحد المقومات الجوهرية لاستقرار الدولة الحديثة.
وقد لعبت المحكمة الدستورية العليا دورًا بارزًا في ترسيخ هذا المفهوم وإعطائه بعدًا قانونيًا وقضائيًا واضحًا، من خلال أحكامها التي أكدت أن التضامن الاجتماعي يمثل ركيزة أساسية من ركائز النظام الدستوري المصري. فقد أكدت المحكمة الدستورية العليا في أحدث أحكامها أن: “الدستور اتخذ من تحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، أحد أهم ركائزه الأساسية، قاصدًا من ذلك – وعلى ما أفصحت عنه المادة (8) منه – ضمان الحياة الكريمة لجميع المواطنين، وناط بالقانون تنظيم القواعد التي تحقق هذا الهدف”. المحكمة الدستورية العليا، القضية رقم 16 لسنة 38 قضائية “دستورية”، جلسة 5/12/2020، منشورة بالجريدة الرسمية، العدد 50 مكررًا، 13 ديسمبر 2020).
ويكشف هذا القضاء عن إدراك المحكمة للطبيعة الجوهرية التي يمثلها التضامن الاجتماعي داخل البناء الدستوري للدولة، باعتباره ليس مجرد قيمة أخلاقية مجردة، وإنما التزام دستوري يفرض على الدولة التدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير الحماية اللازمة للفئات الأقل قدرة.
كما استندت المحكمة في قضائها إلى عدم جواز الإخلال بمقتضيات التضامن أو التأمين الاجتماعي، حين قررت أن: “الدساتير المصرية على تعاقبها قد حرصت على كفالة العدالة للجميع دون تفرقة أو تمييز، وعنيت كذلك بإقامة المجتمع على أساس من التضامن الاجتماعي باعتباره ركيزة أساسية، وواحدًا من الضمانات الجوهرية التي ينبغي أن ينعم بها المجتمع، وتقوم الدولة من خلاله، وعلى ما نصت عليه المادة (8) من الدستور الساري، بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير سبل التضامن الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين، على النحو الذي ينظمه القانون”.
)القضية رقم 22 لسنة 28 قضائية دستورية، جلسة 10/1/2015، أحكام المحكمة الدستورية العليا، الجزء الخامس عشر، الأحكام الصادرة من يوليو 2013 حتى يونيو 2016، ص396)
ويتضح من هذا التفسير القضائي أن المحكمة الدستورية العليا لم تنظر إلى التضامن الاجتماعي باعتباره مجرد توجه سياسي أو التزام أخلاقي، بل اعتبرته قاعدة دستورية حاكمة تهدف إلى الحفاظ على وحدة الجماعة الوطنية، وضمان شعور الفرد بأن المجتمع يمثل إطارًا للحماية والرعاية المتبادلة، بما يحقق الاستقرار الاجتماعي ويحمي الدولة من مظاهر التفكك أو التهميش.
وإذا كان الفكر الدستوري الحديث قد انتهى إلى ترسيخ هذا المفهوم داخل النصوص الدستورية والأحكام القضائية، فإن المتأمل في شعائر عيد الأضحى يدرك أن الشريعة الإسلامية سبقت النظم الدستورية الحديثة إلى تكريس فلسفة التضامن الاجتماعي بصورة عملية وإنسانية متكاملة. فالأضحية في جوهرها لا تقف عند حدود الشعيرة التعبدية، وإنما تمتد لتؤسس لمعنى المشاركة المجتمعية والتكافل الإنساني، من خلال إشراك الفقراء والمحتاجين في مظاهر العيد وإدخال السرور عليهم.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بصورة واضحة في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ بما يؤكد أن فلسفة الأضحية تقوم على الامتداد الاجتماعي للشعيرة، وربط العبادة بتحقيق الرحمة والتكافل داخل المجتمع.
كما جاءت الآية الكريمة: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ لتؤكد أن المقصد الأسمى للشعيرة لا يتمثل في المظهر المادي، وإنما في القيم الإنسانية والاجتماعية التي تنتج عنها.
وفي السنة النبوية، رسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد”، وهو تصوير بليغ لفكرة الترابط الاجتماعي ووحدة الجماعة الإنسانية، بما يجعل رعاية المحتاجين مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المبادرات الفردية إلى بناء وعي مجتمعي قائم على التكافل والتعاون.
ومن خلال هذا التصور، تبدو شعائر عيد الأضحى تطبيقًا عمليًا لفكرة التضامن الاجتماعي قبل أن تتحول هذه الفكرة إلى مبدأ دستوري ملزم بقرون طويلة. فتوزيع الأضاحي، والتوسعة على الفقراء، وإشراك غير القادرين في فرحة العيد، جميعها ممارسات تعكس وحدة الجماعة الإنسانية وتكامل مصالحها، وهي ذات القيم التي حرص الدستور المصري والمحكمة الدستورية العليا على ترسيخها باعتبارها أحد مقومات المجتمع الحديث.
ومن ثم، فإن العلاقة بين عيد الأضحى وفكرة التضامن الاجتماعي تعكس ارتباطًا عميقًا بين القيم الدينية والأسس الدستورية الحديثة؛ إذ إن الشريعة الإسلامية أرست منذ قرون طويلة المبادئ التي انتهت إليها الدساتير المعاصرة في مجال العدالة الاجتماعية والضمان الاجتماعي، بما يؤكد أن حماية الإنسان وتحقيق التكافل بين أفراد المجتمع تمثل قيمة إنسانية أصيلة استقرت في الضمير الديني والقانوني على السواء.
د. محمد عبدالحميد العوامري يكتب :عيد الأضحى والتضامن الاجتماعي.. قراءة دستورية في فلسفة التكافل المجتمعي








